أن تفتح قاموساً لتبحث عن معنى كلمة ما، أو لترجمتها، يعتبر أمراً منطقياً بالنسبة لأي شخص. لكن أن تبحث في قاموس عن معنى كلمة كُتبت بأحرف لاتينية، أو تحاول فك لغز رقم معيّن لفهم الكلمة، فهو أمر غريب حتما. لكن الغريب لم يكن مستحيلاً بالنسبة لأستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية الدكتور نديم منصوري، الذي استحدث أوّل قاموس بالعربية يعنى بلغة الدردشة الالكترونية، ليصبح قاموس «الدردشية» بين أيدي «الدردشيين» الذين يستعملون مصطلحات جديدة في أحاديثهم تتناسب مع الحياة المعاصرة. وبما أن اللغة العربية تعاني من عدم وجود مفردات جديدة تواكب العصر والتطورات، جاء قاموس «الدردشية « كحلّ بالنسبة لهؤلاء.
قاموس منصوري هو الأول من نوعه في العالم العربي، لكنه ليس كذلك على الصعيد العالمي. فالكاتبة إيرين جانسين كانت سبقته بهذه الفكرة من خلال قاموس «نت لينغو» الذي يحتوي على آلاف الكلمات والتعابير التي تخصّ عالم الأعمال والتكنولوجيا والاتصالات، ويضم أيضاً مجموعة من مختصرات المحادثة عبر الإنترنت. وكذلك هناك ستة قواميس أجنبية للغة الدردشة، إلا أن ما يميّز قاموس منصوري هو أنه يعوّل على اللغتين العربية والانكليزية، باعتبار أن الأخيرة هي الأوسع انتشاراً من بين اللغات.
وتأخذ الدردشة على الانترنت حيّزًا مهماً اليوم بالنسبة لعشاق الانترنت، وتزداد في ظل وجود أجهزة الهواتف النقّالة المستحدثة التي يتمّ تحميل مواقع للدردشة عليها، وتعمل على مدار الساعة. وللدردشيين عالمهم الخاص ولغتهم الخاصة التي لا يفهم معانيها إلا من يتقن اللغة الافتراضية، وهي عبارة عن رموز معينة تحمل مدلولات جديدة للحروف، فمثلا الرقم 2 يعني الحرف أ، ورقم 3 يعني الحرف ع، ورقم 5 يعني الحرف خ، وهكذا يتم تحويل حروف الكتابة وأرقامها إلى لغة خاصة بالدردشة.
ويقدّم قاموس «الدردشية» مئات المعاني لكلمات تُعنى بلغة الانترنت. على سبيل المثال نجد كلمة BB وهي اختصار كلمة إلى اللقاء باللغة الانكليزية، وBBB هي اختصار لـ«ضجران كثيراً»، أمّا BBS فهي للإشارة إلى «العودة قريبا».
لا يتميّز القاموس عن غيره من قواميس اللغة، بل يتشابه معها في طريقة شرح المئات من الكلمات تبعا للأحرف الأبجدية. وفي مقدمة القاموس كتب منصوري عن لغة الدردشة أنها «ثقافة جديدة أفرزتها ثورة الاتصالات، بحيث أصبحت تحوي عالماً رقمياً يبدعه مستخدمو الانترنت من خلال تفاعلهم بعضهم مع بعض، ويحوّل هذا التفاعل الإنساني المطلق إلى تواصل مبني على علاقة الإنسان بالآلة». واعتبر «أن هذا التواصل التفاعلي الثنائي، أولاً بين شخصين أو أكثر، وثانياً بين الإنسان والآلة، استدعى اعتماد لغة مستحدثة كوسيلة تواصل بين أفراد المجتمع الافتراضي».
ويشمل القاموس أقساما عدة، بدءا من تفسير الانفعالات التي تعبر عن مشاعر مستخدمي اللغة على الانترنت بالانكليزية والعربية، فتفسير لمعنى الأرقام المستخدمة في الدردشة، وصولاّ إلى تفسير المصطلحات والعبارات العلمية المستخدمة.
وكان الدكتور منصوري علّل فكرة إطلاقه بتحقيق ثلاثة أهداف أساسية، منها «الهدف الثقافي الذي أنشأت من خلال معادلة جديدة في العلاقات الإنسانية وتفاعلاتها، والهدف الأكاديمي حيث يحاول القاموس الإسهام في تفسير واضع للغة الحياة الإلكترونية على الإنترنت ولغة المجتمعات الافتراضية للجميع لا سيما المتخصصين ليتمكنوا من فهم هذا الواقع الجديد، فالهدف اللغوي، الذي يتمّ من خلاله عرض تفاصيل هذه اللغة الحديثة وتحديد معالمها وشرح محتواها وقواعدها واختصاراتها».
استحداث القواميس يؤكد أن لغة الدردشة قد أثارت اهتمام العديد من الباحثين في العالم. لخبيرة العلوم اللغوية الألمانية انجليكا شتورير نظرة خاصة حول هذا الموضوع، حيث صرّحت سابقا لوكالة الأنباء الألمانية «د.ب.أ»، بأن «مستقبل الدردشة على الانترنت صار مهدّدًا بعض الشيء بسبب خدمة التواصل الهاتفي التي يقدمها برنامج سكايب مثلا». كما لفتت شتورير إلى أن «الصحف أو الكتب الأدبية لم تتأثر بعد بلغة الدردشة». وأكدّت على أن «الرموز التي تشير إلى التعبير عن الفرح أو الحزن وكذلك الاختصارات المتداولة في غرف الدردشة على الانترنت خلقت لغة جديدة..».
إذًا، أن تتكلم لغة مختصرة تجمع بين العربية والانكليزية، هي اليوم ظاهرة أطلق عليها البعض اسم «عربيزي» أو «عربيش»، وهي أبجدية يستخدمها الشباب على نطاق واسع بطريقة تشبه الشيفرة، كذلك تعتبر الأوسع انتشارًا في الكتابة على الإنترنت أو عبر الرسائل المحمولة. أما أبرز الكلمات التي يتم تعريبها وباتت أشهر من نار على علم فهي «لول» (Laughing Out Loud) ومعناها الحرفي «أضحك بصوت عال» لكنها تستعمل للتعبير عن موقف مضحك، وgtg وتعني «إنني مضطر للذهاب الآن»، و ISA أي إن شاء الله، MSA أي ما شاء الله، وIDK ومعناها.. لا أعلم.

