من يطرد مسيحيي الجنوب

(خاص الموقع)
لأزمة الوجود المسيحي في منطقة صيدا وشرقها قراءات مختلفة، حاولنا تسليط الضوء على بعضها وننشر آراء  يمكن ان تشكل تنوعا في القراءة والتحليل.
– غياب المشروع السياسي الواضح والرهان على مشاريع عبثية ضيّع المسيحيين
– تبعية المؤسسات لأحزاب مذهبيّة عزّز مشاعر الخوف والفتن الداخلية

المحامي وسيم الناشف: الشعور بالأقلوية نلغيه بشرطين
الإنتاج وبناء الدولة المدنيّة
ينظر المحامي وسيم الناشف إلى التحديات التي تواجه المسيحيين في الجنوب من أكثر من زاوية سياسية، واقتصادية وعقائدية. ويرى حلولاً تردّ على كل تحدٍ على حدة. وأن الخطوة الأولى على طريق التوحيد الاجتماعي وإلغاء الشعور بالأقلوية يكون ببناء الدولة المدنية وفتح مجالات لزيادة الإنتاج والتوظيف.

المحاصصة الطائفية
يرى الناشف ان النظام الطائفي القائم على المحاصصة هو أساس البلاء "وخصوصاً وجود مشاريع سياسية واضحة لدى الأحزاب الطائفية غير المسيحية في حين نشعر بغياب مشروع سياسي واضح لدى الأحزاب المسيحيةِ، مما يجعل مسيحيي الجنوب يشعرون أن القيادات المسيحية غير مهتمة بهم وبمستقبلهم". ويضيف الناشف: وقد فاقمت الحرب الأهلية المسيحية من أوضاعهم السليمة وخصوصاً رهانات القيادات المسيحية على مشاريع عبثية ألحقت أضراراً كبيرة بالمسيحيين ودفعتهم إلى الهجرة داخلياً وخارجياً، وعدم تأمين الشروط اللازمة لعودتهم وإيجاد الحوافز الفعلية لإعادة سكنهم وممارسة حياتهم الطبيعية. ويضاف إلى ذلك ضعف مؤسسات الدولة، وتبعية هذه المؤسسات لأحزاب وقيادات طائفية برزت نتيجة الحرب واحتلت مواقع أساسية في الدولة وفق اتفاق الطائف. كذلك شعور المسيحيين باللاستقرار الأمني والخوف الدائم من نشوب فتن داخلية ذات طابع طائفي، وأنهم أقلية مهددة لا حماية لها ولا ضمانة معرضة دائماً للخطر عند أية هزة أمنية. وأن هذه الأقلية تتناقص وسط أكثريات طائفية تتزايد باستمرار ومن خلال إمكانات اقتصادية كبيرة وواسعة.

أين المؤسسات المنتجة؟
ويعطي الناشف للجانب الاقتصادي أهمية كبيرة فيقول: إن غياب مؤسسات اقتصادية إنتاجية تؤمن فرص عمل للشباب في القرى والبلدات. وغياب اهتمام الشباب بممارسة مهن حرفية مثل الحرارة، التجارة الكهرباء….) ووسط انهيار القطاع الزراعي الذي لم يعد قادراً على تأمين معيشة العائلة. كل هذه الأسباب دفعت الشباب إلى ترك البلدات والقرى والتوجه إلى المركز وخصوصاً إلى المناطق الشرقية من بيروت التي يشعر فيها بالأمن والحماية من دون أن ننسى الهجرة الواسعة إلى الخارج وخصوصاً بعد تهجير عام 1985.

قيم استهلاكيّة
ويعتقد الناشف ان جانباً آخر له علاقة بالقيم المسيحية شكّل تحدياً ومأزقاً أمام المسيحيين فيشير إلى أن "تخلِّينا وابتعادنا عن القيم المسيحية الأساسية: الحق، العدل، التواضع، الخدمة، المحبة وقبول الآخر، وانبهارنا وتعلقنا بمظاهر المجتمع الاستهلاكي (سيارات فخمة، شقق مميزة، أثاث ثمين، حفلات زفاف مكلّفة…) كل ذلك وضع المسيحي أمام تحدّي بقائه في أرضه واستمراره فيها أو النزوح منها وبيعها لشراء مواد استهلاكية تعتمد على المظاهر.

الدولة والمواطنة
وعن دور المسيحيين لا يرى الناشف بديلاً من العودة إلى حمل القيم المسيحية "بأن نقف مع الحق، نرفض الظلم نقبل الآخر وننفتح عليه". وللوصول إلى ذلك يقول: علينا أن نرفض المشاريع الطائفية وأن نتبنَّى الموقع الوطني والدعوة إلى دولة لكل أبنائها مهما كان الانتماء أو العقيدة وهي الدولة التي تساوي بين مواطنيها الأحرار.
ويزيد: وعلينا دعوة السلطات الكنسية ورجال الأعمال المغتربين لإيجاد مشاريع إنتاجية تؤمن فرص عمل للشباب وتشكل حافزاً لهم للبقاء في أرضهم.
ولا يغيب عن باله الإشارة إلى أهمية النشاط الثقافي "الذي يعزز الانتماء إلى الوطن وإلى بناء دولة مدنية وذلك من خلال الانفتاح على المحيط في البلدات والقرى المجاورة مهما كانت انتماءات أهلها.

د. أحمد شعلان التهميش السياسي وحركات النزوح الداخلية وأسباب أخرى
الشعور بالهزيمة وضعف الاحزاب العلمانية
– سقوط "المارونية السياسيّة" وترغيب السفارات الأجنبية شجعا المسيحي على الهجرة
– المال الفاجر الداعم للهجمات العقارية ذات الطابع المذهبي التي عززت الشعور بـ"الأقلوية"
ولرئيس قسم الفيزياء في كلية العلوم الفرع الخامس الدكتور أحمد شعلان رأي مختلف بأزمة الوجود المسيحي إذ يقول: أدت تراكمات كثيرة إلى تيئيس المسيحيين من الحياة في البلد ودفعهم الى الهجرة وهي:
أولاً: نجاح الإنسان اللبناني في الغرب حيث هاجر وبنى مستقبلا مختلفاً عما نجده هنا. لكنه أوجد كانتونات لبنانية في المغتربات نجحت بشكل ادت لتكون وطنا بديلا خصوصا في كندا، اوستراليا والولايات المتحدة. ومما شجع في هذا المجال التسهيلات التي كان يلقاها المسيحي من السفارات المعنية.
ثانياً: الشعور العام لدى المسيحيين بالهزيمة بعد سقوط المارونية السياسية بالضربة القاضية وبعد اندحار اسرائيل التي تحالفت مع جزء من المارونية السياسية والتي كانت تزرع نوعا من العنصرية في نفسية المسيحي وتؤدي به الى غربته عن محيطه. واعتقد ان هذه الهزيمة ما كانت لتحدث لولا وجود خيارات مسيحية ادت الى الهزيمة التي نالت من سمعة الكنيسة ومن التهميش السياسي ومن التهجير الداخلي. وما حصل في شرق صيدا ما هو الا صورة مصغرة عما حدث للمسيحيين على مستوى الوطن.
ولا يكتفي شعلان بهذه الزاوية من القراءة اذا يشير الى زاوية اخرى تتعلق بالاحزاب العلمانية ويشرح: وما ساعد على تهميش دور المسيحيين هو فرط الاحزاب العلمانية مع نهاية الحرب الاهلية اللبنانية، واستلام القوى الطائفية ادارة وعقدنة الشارع والحكم، فالاحزاب العلمانية كانت المعقل البديل للمسيحيين خارج المارونية السياسية. وكانت نافذة لهم للحرية وللعمل السياسي. ومما زاد في الامر هو الخلط بين الاسلام والعروبة عند العروبيين الجدد.

هجرات عقارية
كما ان الهجمات العقارية المدعومة بسلاح المال الفاجر بعد ان فتح الباب واسعا امام الاستملاك اللامحدود للكارتلات الريعية المشبوهة. وهناك هجمات عقارية اخرى ذات طابع طائفي ومذهبي وهي تؤسس للتقسيم ولو في اللاوعي، اي في النوايا وفي الحذف من الآخر.
خامساً: الازعاج الذي تسببه الطقوسية المفرطة لدى الجوار المسلم، والتحركات المتخلفة التي تستهدف المقدسات المسيحية والوجود المسيحي بين الحين والآخر ( مظاهرة الاشرفية، بيانات شرق صيدا … ).

المهندس وليد عسيران: أزمتنا اجتماعية في الأساس وليست دينية
الوجود المسيحي ليس هدفا بذاته
– إن التفكك الاجتماعي في لبنان خطاباً وممارسة هو الذي سهَّل للـ"مجتمعات الخاصة" بأغطية مذهبيّة
– كثيرون رأوا في الوجود المسيحي تهديداً وفي عدمه تهديداً أيضاً وهذا تناقض مركّب ومؤذٍ
– لا ثقة لدينا في مجتمع يفقد فيه المواطن العدالة والنظام وكل شيء يتحوّل إلى أزمة
وللمهندس وليد عسيران قراءة مختلفة جدا عن القراءات الاخرى اذ يرى عسيران أن "الوجود المسيحي ليس هدفا بحد ذاته، ان المسيحيين موجودون مثل غيرهم في المنطقة، ربما بفعل صدف تاريخية لا افهمها. وانا هنا اتساءل ما معنى وجود مسيحي او غير مسيحي، أو الأقوال التي ترد حالياً: مدينة إسلامية، عاصمة السنة، عاصمة الشيعة، وهي أقوال لا أتوقف عندها".
يضيف عسيران: "ما أراه مهماً، أن هناك أزمة مجتمع، إذ لا حياة سياسية، لا فكر ولا هم سياسي. ما نجده هو هم عائلي وهم مذهبي، إنها عقلية ضيقة، إنها هياكل التخلف".
ويعود عسيران للسؤال : ما هي اهمية وجود اي طرف في مجتمع متفكك؟ هناك دور مسيحي خاص؟ وآخر مسلم خاص؟ اعتقد ان هناك ازدواجية ما بين الخطاب وبين الممارسة.
أسكن بقرب مسيحي آخر ولا اختلط معه، هل يعني ذلك انا في مجتمع خاص وهو في مجتمع آخر؟

دستورنا متقدِّم
يصمت عسيران برهة ويعود ليقول: في لبنان جرت محاولة لايجاد مجتمع موحد منذ عام 1943 وحتى عام 1975 ولم تنجح المحاولة. قسم من المجتمع حاول واعتقد انه وصل الى بناء معظم المجتمع الموحد ولكنه لم ينجح.
"أما الدستور الللبناني فقد كان متقدما عن وضع المجتمع وما زال حتى الآن. أعود وأقول أن تناقضاً يحصل عندنا، من الدستور إلى الحديث الذي يُتلى على الاولاد، بين الممارسة الحقيقية وبين النظرية".
ويختم عسيران: "في تاريخنا اللبناني أعتقد قسم ان الوجود المسيحي تهديد والآن يرى قسم آخر ان عدم الوجود المسيحي تهديد ايضا. الجميع في قلق، الذين يعيشون في البلد لا يؤمنون به ولا يطمئنون اليه، لذلك نرى أن التعلم خارج البلد، الاستثمار خارج البلد، وكل لبناني يسعى إلى جنسية أخرى، فالأساس لا ثقة بالمجتمع ولا بالنظام، لذلك فالأزمة ليست أزمة مسيحيين بل أزمة مجتمع بامتياز.
 

السابق
إسرائيل قلقة على النظام في سوريا!
التالي
“تقييم” للأثر البيئي لـ”يونيباك” بحضور رحّال