ثرثرة على ضفاف دجلة: بغداد وقاطرة العراق الوطنية

كأنما الحياة تأبى الاّ أن تجري في شوارع بغداد وأزقتها، هدوء وحركة لا تهدأ، لا مفخخات والشوارع المغلقة بالحواجز الاسمنتية أو الأمنية، تتراجع ليتقدم مشهد لم تألفه المدينة منذ سنوات.

بغداد عاصمة الرشيد، تتننفس من رئتها الخضراء، فرئيس الحكومة عادل عبد المهدي، أمر في خطوة جريئة بفتح المنطقة الخضراء أمام الجميع، فتنفس البغداديون الصعداء، اذ أن الارهاب  الذي جعل من المدينة التاريخية، جزراً أمنية وثكنات مسورة بجدران اسمنتية، انكفأ بعد الاعلان عن الانتصار على داعش العام الماضي،  لصالح مدينة مشرعة على الحياة الطبيعية، وعلى إيقاع الرغبة الجامحة في التقاط البهجة والفرح الذي يفرض إيقاعه على الجميع.

لزائر بغداد هذه الأيام لا بد أن يلمس أن العراق يخطو خطوة ثابتة نحو مستقبل جديد، الهوية العراقية تتفوق على ما عداها، تتقدم بعراقة المجتمع والدولة، ويلحق بها السياسيون، لم تعد لغة العصبية المذهبية أو الدينية مجزية، باتت حديثاً منفراً وغير مستساغ، في لقاءات شتى مع مواطنين ونخب ومسؤولين، سوف تلمس أن ثمة صعوداً لوطنية عراقية بدت في السنوات السابقة أنها صارت أثراً بعد عين، ففي زمن صعود تنظيم داعش ومقدماته وتداعياته، كان العراق بمدنه وحواضره مسرحاً لتفجيرات كان الثابت فيها القتل العاري لكل ما ينبض من حياة الناس، كان هذا الموت سبيلاً لاستنهاض كل العصبيات الظاهرة والكامنة، لينطلق وحش بدا أنه التهم كل ما يرمز الى وحدة العراق دولة ومجتمعاً.

إقرأ أيضاً: المجال العراقي «بات مفتوحاً».. ميليشيات إيران في مرمى إسرائيل

عندما سيطر الرعب واجتاحت “المفخخات” المدن والحواضر أمكن لقاع المجتمع أن يسيطر ويتحكم بغرائزه على سطح الحياة، لكن ثمة ما هو راسخ وعميق في المجتمع العراقي، لا يمكن محوه وازالته مهما تشيطن الغزاة والطامعين، ومهما تسيّد الفجّار وأدوات القتل ودعاته على مختلف متاريس المذهبية والطائفية. في جلسة جمعتنا مع عدد من الناشطين العراقيين وبعض الصحفيين في بغداد، في نادي برج بابل على ضفة دجلة، سوف لن تجد أنت اللبناني طريقاً آمناً لسلوكه بما تحمله من واقعك اللبناني لفهم ما يجري في العراق، ادواتك المذهبية والطائفية لتشريح الواقع السياسي والاجتماعي العراقي لن تنفع كثيراً، بل تبدو متخلفة في مقاربة الواقع العراقي، بالطبع ثمة واقع أن العراق بلد منهك ومثقل بتداعيات الحروب المتنوعة، ودولة تنهشها المحاصصة، ويستبد بها التنازع الإقليمي والدولي، لكن المدهش أن ثمة انتفاضة على اللغة المذهبية والطائفية، لغة العراق هذه الأيام فرضت ايقاعها، لغة الاعتداد بالانتماء للعراق واضحة وبيّنة، بل مصدر قوة مجتمعية فرضت نفسها الى حدّ كبير على المشهد السياسي، لعل أهم دلالة على ما عبر رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم في هذا السياق، أنه لم يعد هناك كتل برلمانية مذهبية، لا بل يضيف للمفارقة، أن الكتل البرلمانية التي توصف أنها على علاقة وثيقة بايران تحوز على عدد اكبر من النواب السنة قياسا الى الكتل التي توصف بانها بعيدة نسبيا عن ايران.

إقرأ أيضاً: في خطوة تعكس تصعيدا بين واشنطن وطهران: اقتراح قانون لإخراج اميركا من العراق

الوطنية العراقية الصاعدة بقوة في الحياة السياسية، هو ما يؤسس اليوم لاستقطاب سياسي يتجاوز الاستقطابات المذهبية أو حتى القومية، فالسنة والشيعة والكرد، لم يعودوا مكونات سياسية، بل ثمة تحالفات تتبلور وتتجه نحو انقسامات سياسية متجاوزة للبعد المذهبي، لتتخذ ابعادا وطنية غير مفتعلة، فعلى المستوى الشيعي، لم تنجح الإدارة الإيرانية في فرض كتلة برلمانية شيعية لا عشية الانتخابات البرلمانية ولا غداتها، رغم كل محاولات الجنرال قاسم سليماني لخلق هذا التحالف وفرضه على ما يؤكد اكثر من مسؤول عراقي شاركوا في هذه الانتخابات.

(يتبع)

آخر تحديث: 30 يناير، 2019 5:49 م

مقالات تهمك >>