بيان حزب الله الانساني وصراع مرحلة ما بعد داعش في سوريا

صفقة حزب الله - داعش ما زالت تتصدر المشهد اللبناني لاسيما بعد البيان الذي صدر عن حزب الله يوم أمس السبت 2 آب والذي ناشد فيه الحزب المجتمع الدولي التدخل حتى لا تقع مجزرة يتحمل مسؤوليتها التحالف.

فيما ما تزال قوافل المجموعات الإرهابية التي انطلقت من القلمون الغربي عالقة، بعد استهدافها سابقاً من قبل التحالف الدولي الذي تقوده أميركا فقطع الطريق عليها، وفيما يؤكد التحالف أنّه لن يسمح للإرهابيين بالمرور وأنّه سيستهدف كل من يحاول الاقتراب منهم لإنقاذهم، أصدر حزب الله يوم أمس بياناً طالب فيه المجتمع الدولي التدخل لمنع التحالف من ارتكاب مجزرة!

هذا البيان سبب جدلاً كبيراً في الداخل اللبناني، وذلك تحت عنوان “التعاطف مع الإرهابيين”، ليتساءل البعض عن أهداف حزب الله وإن كان هناك جوانب مخفية لم تستكمل من الاتفاق، فيما شكك آخرون بالعنوان الذي حمله الحزب يوم دخل الحرب السورية وهو “محاربة الإرهاب”.

في هذا السياق أكّد العميد الركن الدكتور نزار عبد القادر لـ”جنوبية” أنّه “من الصعب قراءة ما وراء هذا البيان إلا أنّ حزب الله يريد حماية الجماعات الإرهابية التي حماها سابقاً من هجوم الجيش في جرود راس بعلبك والقاع، وذلك حتى تصل إلى مقصدها الأمن”.

مضيفاً “هذا يطرح إشكالية ويشكل مفارقة كبيرة بين ما يقوله حزب الله حول أسباب تدخله في الحرب السورية منذ ست سنوات إلى اليوم وبين ما فعله مؤخراً مع جماعات داعش من أجل تحقيق أجندات خاصة فيه ولو كانت على حساب لبنان وحساب الحرب الإرهابية التي يشنها المجتمع الدولي”.

 

وتساءل عبد القادر “كيف يمكن أن يوفق حزب الله بين الخطابين المتناقضين كلياً بين أنّه ذهب إلى سوريا للحرب على الإرهاب وبين أنّه يحاول الآن حماية مجموعة كبيرة من الإرهابيين”.

معتبراً أنّ هذا يضع اللبنانيين أمام معادلة جديدة تدور حول مدى تقدم الأجندة الخاصة في حزب الله على المصلحة الوطنية اللبنانية، لافتاً إلى أنّ  السيد حسن نصرالله لا يخجل من القول بأنّ له أجندة خاصة بإيران والمنطقة وهي إطلاقاً ودون شك تتناقض مع الأجندة اللبنانية.

هذا وأشار عبد القادر فيما يتعلق بالتخبط الذي بات ظاهراً في خطابات السيد نصرالله الأخيرة، إلى أنّ “الإنسان عندما يتكلم كثيراً غالباً ما يقع في تناقضات وهذا ما يحصل في خطابات السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله،و قد ظهر هذا التناقض خاصة حينما قال أنّه ما من صفقة مسفهاً الأخرين الذي تحدثوا عن صفقة بينه وبين النصرة أو داعش، ليعترف هو شخصياً في الخطاب التالي أنّه قد ذهب سراً إلى دمشق وجلس مع بشار الأسد و وضعا سوية خطة (سيناريو) لإخراج الإرهابيين من القلمون. هذا تناقض واضح كلياً”.

وخلص عبد القادر إلى أنّه من الواضح أنّ نصرالله إن في خطاباته أم في الأوامر التي يصدرها، يتصرف وكأنه السلطة المطلقة في لبنان وأنّه أعلى من الدولة وله حرية العمل بشكل متناقض مع الدولة ومع توجهات اللبنانيين بشكل عام.

إقرأ أيضاً: صفقة حزب الله – داعش برعاية سليماني!

من جانبه أوضح الباحث والمحلل السياسي ومدير جمعية “هيا بنا” الأستاذ لقمان سليم في حديث لـ”جنوبية” أنّ “تقييم تصريحات حزب الله بشأن الدواعش ومصيرهم وكل هذه الأدبيات الإنسانوية في الميزان الأخلاقي واللبناني هو خطأ منهجي”.

لافتاً إلى أنّ “ما جرى اليوم من صفقة في الجرود وما جرى بالتوازي معها من صفقة أخرى في تلعفر، يجب أن تُقرأ في منظور أكبر من لبنان ومن العراق هو منظور مرحلة كان عنوانها داعش وكان المستفيد الأكبر من وجوده هو الولي الفقيه”.

وأوضح سليم أنّ كل ما يمكن أن يصدر اليوم عن حزب الله من مواقف قد تستثير نقمتنا لكيلها بمكيلين، يجب أن تقرأ تحت عنوان ربط النزاع مع التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة حول مستقبل سوريا، مشدداً أنّه “هذا المستقبل عنوانه اليوم من يسبق في السيطرة على دير الزور”.

ليتابع “هناك سباق على دير الزور إن من قبل التحالف والولايات المتحدة ورأس حربتها الأكراد ولربما بعض العرب أو من قبل الطرف الثاني الذي هو النظام السوري وحلفائه ومن ورائه إيران”.

مؤكداً أنّ “هذه المعركة هي فعلياً معركة الربط بين سوريا والعراق”.

لقمان سليم

ورأى سليم أنّه على مستوى التشنيع ضد حزب الله، لنا الحق، ولكن علينا أن نخرج من هذا التشنيع إلى ما هو أخطر وهو السباق الذي عنوانه الثانوي مصير الدواعش وعنوانه الرئيسي مستقبل دير الزور والتي ستكون – بحسب كلامه- المعركة الأخيرة في لعبة ما يسمى القضاء على داعش”.

ليردف “حينما يقضى على داعش هناك من سيحل محل داعش، ومن سيحل محل داعش هو السؤال، ومن سوف تكون له اليد العليا على المناطق الحدودية التي سيطرت عليها داعش هذا هو بيت القصيد”.

وفيما يتعلق بموقف التحالف وإن كان سيتساهل مع حزب الله، علّق سليم “لا أثق كثيراً بالفطنة أو بطول النفس الأمريكي، وقد بدأ الحديث في الأوساط الأمريكية عن مستقبل الوجود الأمريكي في سوريا، وبدأ الكلام حول ارتكاب إدارة ترامب الخطيئة التي ارتكبتها إدارة اوباما عندما انسحبت من العراق قبل الأوان”.

خاتماً “هنا الموضوع ليس الرغبة ومما لا شك فيه أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها لا يريدون أن يتركوا هذه المناطق كلها للسيطرة الإيرانية ولكن في الحقيقة السوابق التاريخية تجعلنا نشك أنّهم قادرون على حمايتها في الوسائل المستعملة حالياً. فالوسائل المستعملة حالياً والقراءة الحالية للمشهد الإقليمي عموماً لا تبشر بالخير”.

إقرأ أيضاً: مي شدياق: هل يعقل أن يناشد حزب الله المجتمع الدولي الرأفة بداعش؟

في المقابل أكّد الصحافي والمحلل السياسي غسان جواد لـ”جنوبية” أنّه “فيما يتعلق بموضوع داعش هناك التزام من قبل حزب الله والجيش السوري مع مجموعة كبيرة من المدنيين، ولنتذكر سابقاً كيف كانت تثار العديد من الحملات بأنّ الجيش السوري والمقاومة يقتلون ويعذبون وما إلى ذلك”.
لافتاً إلى أنّ “الأميركيين يستخدمون هذه الورقة التي ليس لها علاقة بلبنان بشكل مباشر، فهم يستخدمونها لأنّه قد بدأ الصراع بشكل جدّي على دير الزور وبالتالي الأمريكي من خلال إيقاف هذه الحافلة يشوّه أولاً الجهد الذي حدث في لبنان، ويبعث ثانياً برسالة تؤكد اهتمامه الجدّي بأن تقوم جماعته بتحرير دير الزور”.

يوضح جواد فيما يتعلق بالبيان الصادر عن حزب الله أنّ البيان هو لإلقاء الحجة وللقول أنّ هناك في القافلة حوالي 400 شخصاً من النساء والأطفال والعجزة، وأنّ هؤلاء في حال ظلّوا عالقين في الصحراء في هذه الظروف المناخية قد يموت بعضهم، ليردف “هنا حزب الله يرفع عن نفسه المسؤولية هو والدولة السورية ويقول أنّ أمريكا تتحمل كل المسؤولية”.

مضيفاً “ولا ننسى انّ مقتضيات الصفقة لا يزال فيها بند إخراج أسير لحزب الله موجود لدى داعش مقابل وصول هذه الحافلات إلى وجهتها، وهنا لا بد من التذكير أنّ هذه أخلاقيات الحرب لدى حزب الله فعندما حرر القصير نقل جزء جرحى النصرة إلى المستشفيات وبالتالي هذا التزام سياسي وأخلاقي وإنساني”.

يتابع جواد “حزب الله يعرف أنّ الأمريكي يريد دير الزور ويعلم أنّ المعركة المقبلة هي على معبر البوكمال، ومن هنا كان بيانه رداً على البيان الأمريكي الذي صدر والذي قال أنّه لن يسمحوا بإدخال داعش وأنّ هذا لن يحل المشكلة”.

وبحسب جواد هناك تجاذب سياسي في هذا الملف بين حزب الله وسوريا وإيران من ناحية وبين أمريكا من ناحية ثانية، وذلك بسبب الصراع على دير الزور ومعبر البوكمال.

غسان جواد

ليردف “إضافة إلى ما سبق هناك التزام انساني وسياسي وهذا مهم في المرحلة المقبلة من خلال رغبة سوريا ورغبة حزب الله باحتواء الشباب المضلل أو الذي ندم أو الذي يريد العودة إلى دولته فهذا يشكل نموذجاً لاحتواء ولاستيعاب من لم يتورط في الدماء”.

وفيما يتعلق بالتساؤلات التي يطرحها المعنيين بمسألة العسكريين المخطوفين، أوضح جواد”أن الذين قتلوا العسكريين بعضهم في السجون اللبنانية، متسائلاً “لماذا لا يعدمونهم”.
لافتاً إلى أنّ بعض هؤلاء قد قتل في المعركة أيضاً والبعض الأخر قد غادر، ليكشف في هذا السياق نقطة لا يتم تداولها وهي أنّ الجيش اللبناني لوحده في القصف التمهيدي قبل معركة الجرود قضى عل بين 70 لـ100 لداعش وهذا -بحسب جواد- أكبر انتقام لدماء الشهداء”.

هذا ويختم جواد مؤكداً أنّ “الملف هو صراع بين محور المقاومة وإيران وبين المحور الأمريكي على منطقة دير الزور ومستقبلها وكذلك بالنسبة للحدود مع العراق، إضافة إلى رفض حزب الله للاستثمار الأمريكي فيه”.

إقرأ أيضاً: علي الأمين: حزب الله لم يحرص على المدنيين في سوريا فلماذا هذا الحرص على داعش؟

في المقابل رأى المحلل السياسي جوني منيّر في حديث لـ”جنوبية” حول البيان الصادر عن حزب الله ودلالاته أنّ “هذا الموضوع لديه اعتبارات لدى حزب الله منها أنّهم قد قاموا بصفقة ويريدون المتابعة فيها للأخير وهذا يعكس مصداقيتهم إذ أنّهم لا يريدون أن يحملوا الدم الذي قد يحدث”.

مضيفاً “ربما هناك قطب أمنية استخباراتية مخفية لها علاقة بحزب الله تلزمهم أن يتصرفوا بهذه الطريقة”.

 

آخر تحديث: 4 سبتمبر، 2017 6:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>