لو يظل 25 أيار عيداً لبنانياً

يوم خروج قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان كان عيداً. وسنة بعد سنة صار ذكرى. وبين العيد والذكرى مسافة فرح خلت من بهجتها، وشوارع محتفلين ومسرورين فقدت جمهوراً كبيراً ممن كانوا يرتادونها.

هي السياسة إذن، تلك التي حوَّلت الإنجاز التحريري الوطني شأناً خاصاً لبعض أبناء الوطن. وهي السياسة التي أخذت من الحدث اللبناني المهم دفقاً هادراً من الدعم العربي والعالمي الذي كان له، ليصير أيضاً ورقة في الحسابات الإقليمية غير اللبنانية.

ولأن الإنجاز الذي حققه اللبنانيون في الخامس والعشرين من سنة ألفين باقٍ كحقيقة ملموسة، ولأن النسخة الأخيرة من المقاومة الوطنية اللبنانية التي أوصلت الفعل الوطني اللبناني إلى خاتمته الظافرة، مازالت هي الأخرى باقية كحقيقة ملموسة. لهذا وذاك، سيظل من الضروري واللازم التمييز بين حقيقة الفعل، الذي كان ومازال موضوع فرح عام، وبين نسخة المقاومة، التي هي حزب الله، التي صارت فريق نزاع داخلي وطرفاً من أطراف نزاع المحاور الخارجية.

التمييز هذا يُبقي النقاشَ على الجادة. ففي حالة مثل الحالة اللبنانية صار موضوع التحرير بذاته موضوعاً إفتراقياً بسبب من الخلاف السياسي المحتدم مع الذين أخذوا إسمه، ومع الذين مازالوا متحلقين حول شعاراته. وفي حالة مثل الحالة العربية والإسلامية الراهنة، تغيَّر وصف التحرير في أوساط واسعة، فنُزعت عنه صفاته الوطنية والعروبية والإسلامية، ليُعطى صفة “مقاومته” الفئوية المذهبية في لبنان، وليعطى مع غيره من أشباهه المذهبيين، صفة الإرهاب في سوريا وفي العراق وفي اليمن، وحيث تكون للسياسات المتقاتلة ميادين مواجهات وصراع.

بلا أقنعة وبلا قفازات وبلا كناية أو تورية، باتت مقاربة موضوع المقاومة من أساسه، مقاربة للشيعية السياسية في لبنان، ومقاربة للشيعية الإيرانية وسياساتها المتصلة بالمنطقة العربية، والمتعلقة بسائر الأرجاء العالمية. هذا الواقع الذي من غير المفيد إنكاره، يجعل مهمة الذين يحتفظون بكل عبارات الإيجاب عن يوم اندحار العدو الإسرائيلي من لبنان، مهمة صعبة، وتصير كل “نعم” موضوعية عن وصف التحرير، متصلة بـ”ولكن” ذاتية، من هذا الطرف السياسي والمذهبي المناوئ أو من غيره.

في السياق الانشقاقي عن يوم التحرير ومعناه، تتراكم عوامل شقاق إضافية، وشقة الخلاف التي بدأت مع لحظة إعلان النصر اتسعت، وهي مرشحة للاتساع. فالسياسة “المقاومة” التي رفضت التصرف وفق قناعة مغزى إنجازها، ذهبت صوب اقتراح وممارسة أفعال سياسية تتعلق فحسب باستمرار وجودها كمقاومة، كياناً تنظيمياً وسلاحاً خاصاً ونهجاً سياسياً يقيم في جوار الوطن، ويعاند في الدخول إلى رحابه دخولاً تكاملياً ذا وجهة اندماجية. لقد خرجت المقاومة تلك، أو أخرجت كتلتها، من سياق إعادة بناء لبنان ما بعد التحرير، واكتفت بتعليق هذا السياق على سارية مهمة تحرير مزارع شبعا، هذه المهمة التي كانت مطلباً سياسياً سورياً، يديم استمرار استثمار الجغرافيا اللبنانية من قبل سلطة الوصاية والهيمنة، التي مازال خطاب “شعب المقاومة” يتوجه إليها باسم الحليف والصديق والمؤازر، السلطة التي عندما اهتزت، انتقلت المقاومة التحريرية إليها، فكان لها الجغرافيا في السورية إسم “مقاومة التكفير والإرهاب”، إسم أخلى المكان السياسي لإسم آخر. فعل تلا فعلاً آخر. مهمات جديدة لا علاقة لها بأصل مهمة المقاومة القديمة… وعلى هذا المنوال خرجت الصفة الوطنية المقاومة الجامعة من إطارها ومن ديارها، فصارت سفيراً للنيات المقاتلة، حيث تدعو الحاجة الإقليمية.

إقرأ أيضاً: بشار أهم من المقاومة

الخروج من الوطن لامس في نقاط عديدة مخاطر الخروج عليه، فلقد أخرجت السياسة التي تمس المصير الوطني من كواليس السيطرة عليها وطنياً، وصارت الحياة الجمعية، حياة متلقية بدلاً من أن تكون حياة مُرسِلة. من جديد بات المتحكم بالوجهة الداخلية غير مسؤول عن أفعاله أمام الداخل، وصار هذا الأخير في موقع الخاسر دائمأً، يستوي في ذلك ربح الطرف الخارج منه أو خسارته، وسواء أكان الربح والخسارة باسم المقاومة أو باسم آخر، ذلك أنه من المعروف وبوضوح، أن الفوز الفئوي اللبناني يسعى أهله إلى ترجمته في ميزان المعادلة الداخلية تفوقاً على أقرانهم، وخسارة فئة لبنانية ترتد مضاعفاتها على مجمل البنيان اللبناني، من دون قدرة على المحاسبة السياسية الرشيدة. لا نتيجة لكل ذلك سوى مراكمة الاحتقان الأهلي الذي يضع سيرورة الداخل في مهب التعقيدات المتلاحقة، وداخل حالة من الجمود والعجز، حيث البطالة الوطنية تشكل مدخلاً إلى إبطال القدرة على النهوض بمجمل المستقبل الوطني.

إقرأ أيضاً: هل تذكرون مقاومة عرسال؟

من جديد، لم يذهب اللبنانيون إلى الاحتفال بعيد التحرير، بل كانوا في عطلة رسمية، وقد لا يتأخر اليوم الذي تصير فيه الذكرى موضوعاً للنسيان، ودائماً على الطريقة اللبنانية.

آخر تحديث: 15 يناير، 2018 10:29 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>