سجّل غضب عارم في أوساط الهيئات النسائية في لبنان، نتيجة التهميش السياسي والقانوني الحاصل تجاه حقوق المرأة، في التمثيل الوزاري والنيابي، كما في إقرار مشاريع القوانين التي تطالب بها الهيئات النسائية، وتتناول بشكل خاص، حماية النساء من العنف الأسري، وحق المرأة في منح الجنسية لأولادها وزوجها.
وقد عبّرت رئيسة «المجلس النسائي اللبناني» أمان كبارة شعراني عن ذلك الغضب، خلال لقاء عقد أمس في نقابة الصحافة، من أجل الإعلان عن المراحل التي تمّ تنفيذها في مسيرة قانون إعطاء المرأة اللبنانية المتزوّجة من أجنبي حق منح الجنسية لزوجها وأولادها.
وأعلنت شعراني عن اجتماع موسّع سوف يعقد عند الثانية عشرة من ظهر الإثنين المقبل في مقر المجلس النسائي، ويضم ممثلين عن مئة وسبعين جمعية نسائية. ودعت إلى الاجتماع، ممثلي الهيئات النسائية والمنظمات الشبابية والجمعيات المدنية وممثلي أحزاب لبنانية، بهدف البحث في خطة تحرك تجاه الحكومة الجديدة.
وقالت إنه «مع الأسف، يوجد في لبنان وزن للأعداد، لذلك، يجب توحيد الصفوف، وزيادة الضغوط لإقرار مطالب النساء، وصولاً إلى موعد الانتخابات النيابية المقبلة»، موضحة أن «النواب هذه المرة سيواجهون تحركاً نسائياً كبيراً، وسوف يقال لكل من يترشح للانتخابات: أنت لم تدعم حقوق النساء، فلن ننتخبك».
وأضافت شعراني أنه «عندما أطلقت الهيئات النسائية سابقاً حملة لإقرار الكوتا في مجلس النواب، زارت الرؤساء الثلاثة والوزراء والنواب، وكانت أجوبة الجميع أنهم مع الكوتا، حتى أن بعض النواب قال إنه مع الكوتا بنسبة خمسين في المئة. لكن، تبين بعد الانتخابات النيابية أن كل الوعود كانت كاذبة. ولدى تشكيل الحكومة الحالية، حصل تراجع كبير في التمثيل النسائي، ولم تصل إلى الحكومة وزيرة واحدة». ورأت أن «ذلك يشكل تعبيراً عن تهميش المرأة وعدم احترامها والاستهانة بها»، وتابعت: «نحن نعتبر عدم تمثيل المرأة يعود للخوف من كفاءتها، لأن جميع الإحصاءات تشير إلى تفوق النساء في التحصيل العلمي وفي العمل المؤسساتي».
من جهتها، قالت الوزيرة السابقة منى
عفيش أن تجربتها في الحكومة، برهنت لها «ضرورة توحيد النساء لصفوفهم من أجل نيل حقوقهم». ولفتت إلى «ما يحصل حالياً من تفريغ لمشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري من مضمونه، لذا يجب تجميع الشخصيات النسائية القانونية للدفاع عن المشروع». كما دعت إلى محاسبة النواب على إهمالهم، خلال الانتخابات النيابية المقبلة، «لأن المشاركة السياسية هي حق للنساء كموطنات، فنحن نعمل وندفع الضرائب». وخلال اللقاء، تعرض الوزير الجديد فيصل كرامي لانتقاد شديد، بسبب رفضه إقرار مشروع حماية النساء من العنف، بحجة أنه يساهم في تفكيك الأسرة. وسألت النساء المشاركات ما إذا كان ضرب المرأة يساهم في تماسك الأسرة؟
أما نقيب الصحافة محمد البعلبكي فقال إنه «آن الأوان لتعديل النشيد الوطني اللبناني، وخاصة الفقرة التي يرد فيها: سهلنا والجبل منبت للرجال»، معلناً رفضه للكوتا النسائية، «لأنها تشكل تمييزاً ضد المرأة، والصحيح هو تمثيل الرجال والنساء حسب أهليتهم للعمل السياسي».
وقدمت رئيسة اللجنة الأهلية الوطنية لمتابعة قضايا المرأة فهمية شرف الدين المراحل التي قطعها مشروع قانون إعطاء المرأة حقها في منح الجنسية لأولادها وزوجها، موضحة أن «المشروع تمحور حول ثلاثة أمور هي، أولاً: إنتاج معرفة نوعية بأوضاع النساء اللبنانيات المتزوجات من أجانب، عبر القيام بدراسة ميدانية تحليلية، وثانياً: تعميم المعرفة وتسهيل الوصول إليها عبر نشرها في كتاب، وإطلاق موقع خاص على شبكة الأنترنت، وثالثاً: بناء تحالفات مع مجموعة من الهيئات والمنظمات المهتمة بإلغاء التمييز ضد المرأة في القوانين، وتحقيق المساواة بين الرجل وبين المرأة».
وقالت شرف الدين إن «الإحصاءات التي أنتجتها الدراسة أظهرت أن مواقف معظم السياسيين وبعض اللبنانيين لا تقوم على معرفة حقيقية بالمشكلة». وردت على المقال الذي كتبته الناشطة المدنية لينا أبو حبيب حول استخدام المعايير الطائفية في الدراسة، فأكدت أن «الدراسة كما كل الدراسات في علم الإجتماع تختار متغيراتها من داخل الحقل الإجتماعي، وفي بلد مثل لبنان، فإن متغير الطائفة هو متغير أساسي لفهم التحولات الاجتماعية، لذا فإن التعرف على أعداد النساء المتزوجات من غير اللبنانيين، استناداً إلى طوائفهم، لا يعني أن الدراسة طائفية، فهذا كلام يجافي العلم».
وأوضحت أن المرحلة الأولى من العمل انتهت في كانون الثاني من العام 2010، وتمت صياغة مشروع لتعديل قانون الجنسية، وتم وضعه في تصرف المسؤولين. لكن القانون لم يعدل حتى الآن، فتابعت اللجنة عملها بدعم المؤسسة الدولية للأنظمة الإنتخابية. وقد أعدت المؤسسة دراسة تبين أن نسبة ثمان وثمانين في المئة من اللبنانيات، وثلاثة وسبعين في المئة من اللبنانيين، «هم من المؤيدين لتعديل قانون الجنسية، ويمكن للفروقات في النسب بين النساء وبين الرجال أن تتغير بتأثيرات المعرفة التي أنتجتها الدراسة».
أما المرحلة الثانية التي أعلنت عن انتهائها أمس، فقد تضمنت مستوى التوعية والتثقيف، وقد اختارت فيها اللجنة التوجه إلى فئة الشباب، وأنجزت خلال فترة قصيرة ثلاثة عشر لقاء، شارك فيها ما يقارب أربعمئة شاب وشابة في مختلف المناطق اللبنانية، وأبدوا استعدادهم لأن يكونوا جزءاً من الحملة.
وترافق ذلك مع إطلاق حملات إعلامية، وبناء تحالفات مع النواب والهيئات التمثيلية، وأشارت هنا شرف الدين إلى «مبادرة لجنة المرأة والطفل النيابية، برئاسة النائب جيلبرت زوين، إلى إجراء مناقشة صريحة عن المشروع مع أعضاء اللجنة».
وأكدت شرف الدين أن «تعديل قانون الجنسية الحالي باتجاه المساواة بين الرجل وبين المرأة هو حاجة فعلية للنساء لأنه يشكل تعبيراً عن الاعتراف بأهليتهن الكاملة، وذلك حق تصر النساء على استرداده». وقالت إن «المحاذير السياسية التي ترفع في وجه القانون تترك أثرها على عدد كبير من اللبنانيات وأسرهن». وسألت، في السياق، «لماذا يترتب على اللبنانيات وحدهن دفع الأثمان السياسية؟ أليست النساء من غير اللبنانيات والمتزوجات من رجال لبنانيين عنصراً من عناصر التثقيل في المعادلة السياسية؟ ألم يحن الوقت لعزل مفهوم المساواة عن السياسة؟».
ورأت أن «ما حصل لدى تشكيل الحكومة يشكل استفزازاً للنساء، ولا يكفي بعد اليوم الاستنفار والتنديد، إنما آن الأوان للمواقف الحاسمة والحازمة»، مشيرة إلى أن «الانتخابات قريبة وليكن لنا موقف من الزعماء على مختلف انتماءاتهم وأوضاعهم».

