لماذا لا ينبغي أن نهاجم ايران

اعداد حرب للمستقبل على هيئة حرب ماضية طريقة مجربة للفشل. برغم هذا، يميل ساسة وجنرالات يُعدون لحرب جديدة على نحو عام الى التمسك باستراتيجية وتكتيك نجحا في حرب سبقت. في الحرب العالمية الاولى حطم جيش فرنسا غزو الجيش الالماني في خط التحصينات في فردن. وقد أفضى نجاح نظام التحصينات في فردن الى بناء خط مجينو على طول الحدود الالمانية الفرنسية استعدادا للحرب التالية. لكن الالمان قُبيل الحرب العالمية الثانية استخلصوا الدروس من هزيمتهم في معركة فردن وبدل أن يهاجموا خط مجينو وجها لوجه اختاروا الالتفاف عليه من الشمال وتركوا جيش فرنسا عالقا مثل أداة لا رغبة فيها في أحصن خط في التاريخ العسكري.

الصحيح هو ان الجنرال ديغول والسياسي بول رينو عارضا تأسيس الحرب في المستقبل على تصور نجح قبل ذلك بعقدين. زعم ديغول ان الحرب التالية ستكون حربَ حركة ٍ سريعة يحسم الامر فيها التوجه الهجومي المعتمد على قوات مدرعة وعلى سلاح الجو. لكن الميل الى الاتكاء على نجاح الماضي تغلب على التفكير العقلاني الواعي، واختارت فرنسا التمسك بنجاح الحرب السابقة. وكانت النتيجة كما تعلمون هزيمة مخجلة للتوجه الحالم الذي يعتمد على انجاز عسكري قبل سنوات جيل.

ثارت بي هذه الخواطر عندما شاهدت برنامجا في القناة الثانية كان كله اعتمادا حالما على نجاح قصف المفاعل الذري العراقي بأمر من مناحيم بيغن قبل انتخابات 1981 بأسبوعين. ولم يمنع محررو البرنامج المشاهدين من التذكير بحقيقة انه في ذلك الوقت ايضا عشية اتخاذ القرار على قصف المفاعل، وُجد ساسة مثل شمعون بيريس وعسكريون مثل عيزر وايزمن عارضوا العملية. ومن اجل التوقيع على أوتار المحرقة أُجري لقاء ايضا مع أحد الطيارين الذين شاركوا في العملية وأوضح أنه شعر زمن الهجوم بأنه ينتقم لما أحدثه النازيون بأقربائه.

كان الدرس واضحا: فالآن كما كان الحال آنذاك يوجد مترددون وخائفون يُحذرون من نتائج انتحارية لهجوم اسرائيلي على المنشآت الذرية الايرانية، لكن انظروا ماذا كان يكون مصيرنا لو استمع بيغن قبل ثلاثين سنة لصوت المعارضين: كنا سنواجه اليوم عراقا مسلحا بسلاح ذري يترأسه مجنون مثل صدام حسين هدد باحراق تل ابيب، وما كان أحد ليتجرأ على مهاجمته خوف أن يُرد على الهجوم برشقة صواريخ تحمل رؤوسا ذرية. كان التوجه كما يبدو اقناع المشاهد بأن بنيامين نتنياهو سيحسن الصنع اذا مضى في طريق بيغن وأمر بالهجوم على المنشآت الذرية الايرانية ولم يستمع لاصوات رجال الأمن الذين يُحذرون من أن الهجوم على المفاعلات في ايران سيجلب علينا حربا اقليمية فظيعة مع عشرات آلاف الصواريخ التي ستزرع الدمار والقتل الكثير في مدن اسرائيل كلها وفيها القدس وايلات.

غير أن الايرانيين تعلموا درس قصف المفاعل العراقي ووزعوا منشآتهم الذرية في كل أنحاء ايران وتحت الارض، والعملية اليوم تختلف تماما عن العملية آنذاك.

نجح البرنامج في اقناعي بأن مؤيدي عملية عسكرية على ايران يحلمون أحلام يقظة أننا ما نزال نعيش في 1981 لا في 2011. وقد نجحوا في اقناعي بأن موقف دغان الذي يعيبون عليه والذي يرى ما يتوقع لاسرائيل في حرب المستقبل التي ستنجم عن الهجوم على ايران، كما رأى ديغول ما ينتظر فرنسا من أنصار التصور العسكري الحالم مُحق.

السابق
سليمان يرأس جلسة الحكومة الاولى: ولدت لبنانية لبنانية 100%
التالي
الشرطة الإسرائيلية تتأهب لمواجهة مظاهرات فلسطينية في ايلول