قراءة في مقال للدكتور محمد فران منشور على صفحته في “فيسبوك”:
يرى الدكتور محمد فران أن ثمة ظاهرة باتت لافتة داخل البيئة الشيعية منذ انتهاء حربَي الإسناد والثأر، تتمثل في الطريقة التي يجري بها الحديث عن المباني والمزارع التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية. فبحسب رأيه، يسود نوع من “اللغة المشفّرة”؛ إشارات مقتضبة، وهمسات، وعبارات غير مكتملة، وكأن الجميع يعرف جزءاً من الحقيقة، لكن قلة فقط تجرؤ على قولها بصوت مرتفع.
ويعتبر الكاتب أن التبرير الأكثر شيوعاً لهذا الصمت هو الحرص على عدم تزويد إسرائيل بمعلومات أو ذرائع إضافية. إلا أنه يرى أن النتيجة الفعلية لهذه الثقافة لا تقتصر على حجب المعلومات عن العدو، بل تمتد إلى حجبها عن المجتمع نفسه، بحيث تبقى الوقائع محصورة في الأحاديث الخاصة، ولا تتحول إلى نقاش عام يسمح بالمراجعة واستخلاص الدروس.
منازل اهداف عسكرية
وبحسب فران، يتداول أبناء عدد من القرى روايات مفادها أن قسماً من المباني التي تعرضت للقصف لم يُستهدف، من وجهة النظر الإسرائيلية، بصورة عشوائية، وإنما لاعتقاد الجيش الإسرائيلي بوجود استخدامات أو أهداف عسكرية فيها أو في محيطها، سواء أصابت هذه التقديرات أم أخطأت. ويشدد الكاتب على أن إثارة هذه المسألة لا تعني، في رأيه، تبرير الاعتداءات الإسرائيلية أو إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها عن قتل المدنيين وتدمير الأحياء السكنية، وإنما تهدف إلى طرح أسئلة حول كيفية إدارة الحرب داخل المجتمع نفسه.
ويرى أن إسرائيل تمتلك منذ سنوات بنك أهداف واسعاً يعتمد على وسائل استخبارية وتقنية وبشرية متطورة، وبالتالي فإن الامتناع عن مناقشة أسباب استهداف بعض المباني بعد وقوع الضربات لا يحجب المعلومات عنها، بل يحرم المجتمع من فرصة فهم ما جرى ومراجعة الأسباب التي قادت إلى تدمير المنازل وتشريد أصحابها.
أسئلة مشروعة تثير الارباك
ويشير الكاتب إلى أن روايات متداولة في بعض القرى تتحدث عن مبانٍ استُخدمت، في مراحل معينة، لأغراض لوجستية أو عسكرية، قبل أن تتعرض للقصف لاحقاً، فيما اقتصر الخطاب العلني على وصفها بأنها مؤسسات مدنية أو دينية، من دون السماح، بحسب رأيه، حتى بطرح سؤال حول ما إذا كان هذا الاستخدام قد ساهم في تعريضها للخطر.
ويؤكد فران أن هذا الطرح لا يهدف إلى تبرئة إسرائيل من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، بل إلى الدفاع عن حق المجتمع في مناقشة جميع العوامل التي أسهمت في وقوع الكارثة، بدلاً من الاكتفاء برواية واحدة لا تتيح أي مساءلة داخلية.
ويضيف أن الحرب الأخيرة شهدت أنماطاً مختلفة من الاستهداف، فمنها ما نُفذ من دون إنذار، ومنها ما سبقه إنذار بالإخلاء، ولا سيما عند استهداف مبانٍ كانت إسرائيل تعتبرها مرتبطة، وفق تقديراتها، بنشاط عسكري، معتبراً أن هذه الوقائع أصبحت جزءاً من تجربة الحرب نفسها، سواء اتفق الناس حول تفسيرها أم اختلفوا.
ويذهب الكاتب إلى أن أخطر ما في ثقافة الصمت هو أنها تمنع المجتمع من إجراء مراجعة جدية، لأن غياب النقاش يؤدي، برأيه، إلى غياب إمكانية تصحيح الأخطاء مستقبلاً.
ويعقد فران مقارنة بين حرب تموز 2006 والحرب الأخيرة، فيشير إلى أن الروايات التي انتشرت بعد حرب 2006 تحدثت عن انضباط مقاتلي حزب الله داخل المنازل التي اضطروا إلى استخدامها، وحرصهم على ممتلكات أصحابها، حتى إن بعض الروايات تحدثت عن تعويض أصحاب المنازل عن المؤن التي استُهلكت، وهو ما عزز صورة إيجابية لدى قسم من الأهالي.
أما في الحرب الأخيرة، فيلفت إلى تداول روايات مختلفة في عدد من القرى عن استخدام بعض المنازل بطريقة أثارت استياء أصحابها، وعن العبث بمحتويات بعضها أو تركها في حالة سيئة بعد الانسحاب منها، إضافة إلى الحديث عن فقدان بعض الممتلكات، مع الإشارة إلى أنه لا يمكن الجزم بهوية المسؤولين عن جميع تلك الحوادث، وأن كثيراً من هذه الروايات يستند إلى شهادات محلية.
حق استخدام الممتلكات الخاص
كما يتحدث الكاتب عن روايات أخرى تتعلق باستخدام مبانٍ سكنية لإطلاق المسيّرات أو لإقامة غرف عمليات أو لتخزين تجهيزات عسكرية، وما ترتب على ذلك، بحسب هذه الروايات، من استهداف تلك المباني وتدميرها وتشريد سكانها، فضلاً عن تساؤلات أثيرت حول استخدام منازل لا تعود لعناصر الحزب، وما خلّفه ذلك من حساسيات داخل بعض القرى.
وانطلاقاً من ذلك، يطرح فران مجموعة من الأسئلة التي يعتبر أنه لا ينبغي التعامل معها باعتبارها محرمة: من يملك حق استخدام منزل خاص من دون موافقة صاحبه إذا كان ذلك قد يعرضه وعائلته للخطر؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أدى هذا الاستخدام إلى تدمير المنزل؟ ومن يقرر تحويل مبنى مدني إلى موقع ذي استخدام عسكري؟ وهل توجد ضوابط قانونية أو شرعية أو تنظيمية تحكم مثل هذه القرارات؟
ويستند الكاتب إلى مبادئ دينية وقانونية، مشيراً إلى أن القرآن الكريم نهى عن دخول بيوت الناس بغير إذن أصحابها، كما أن القوانين الحديثة تحمي الملكية الخاصة، معتبراً أن هذه المبادئ لا ينبغي أن تغيب عن أي نقاش يتعلق بالحرب وإدارتها.
ويختم فران بالتأكيد أن المجتمعات لا تضعف بسبب النقد، بل بسبب غيابه، وأن المراجعة، في رأيه، ليست خدمة للعدو، بل حماية للمجتمع، لأنها تساعد على استخلاص الدروس، ومنع تكرار الأخطاء، وصون حقوق المواطنين الذين تحملوا أثمان الحرب. ويشدد على أن طرح الأسئلة حول المسؤوليات والكلفة والضمانات لا يعني تبرئة إسرائيل من جرائمها، بل يمثل، بحسب تعبيره، مصارحة ضرورية لأن الحقيقة وحدها هي التي تؤسس لمستقبل أكثر أمناً وعدالة.

