الشّرع يبدّد شبح التدخل العسكري: مبادرة سورية لنزع فتيل الأزمة مع حزب الله؟

احمد الشرع

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام، والتي تحدث فيها عن طلبه من الرئيس السوري أحمد الشرع “التدخل في لبنان من أجل نزع سلاح حزب الله”، موجة واسعة من الجدل في الأوساط اللبنانية والعربية. وسرعان ما أعادت تلك التصريحات إلى الأذهان هواجس مرحلة الوصاية السورية، كما فتحت الباب أمام تكهنات بشأن احتمال انخراط دمشق في مواجهة مباشرة مع الحزب أو حتى في ترتيبات أمنية جديدة داخل لبنان.

غير أن المقابلة الأخيرة التي أجراها الرئيس السوري مع قناة “المشهد” بدت وكأنها محاولة واضحة لوضع الأمور في سياق مختلف تماماً، وتبديد المخاوف من أي دور عسكري سوري مباشر. فالشرع شدد أكثر من مرة على أن الحديث الأميركي جرى تفسيره بصورة غير دقيقة، وأن المقصود بالدور السوري هو المساهمة في وقف الحرب وفتح مسارات للحل عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، لا عبر التدخل العسكري أو الأمني.

مبادرة سياسية موازية للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية

في قراءة أوسع لمواقف الرئيس السوري، يبدو أن دمشق تعمل على بلورة مقاربة سياسية جديدة للملف اللبناني، تتجاوز منطق الصراع العسكري وتستند إلى فكرة الحوار والتسويات التدريجية.

ففي مقابل المسار التفاوضي الجاري بين لبنان وإسرائيل، والذي يركز على وقف العمليات العسكرية وترتيبات الأمن الحدودي، تطرح سوريا ما يمكن وصفه بمبادرة سياسية موازية تستهدف معالجة أحد أبرز أسباب الأزمة اللبنانية، أي مسألة سلاح “حزب الله” وعلاقته بالدولة اللبنانية.

ولا تبدو هذه المقاربة منفصلة عن المطالب المحلية والعربية والدولية المتزايدة منذ سنوات، والتي تدعو إلى التطبيق الكامل للقرار 1701، بما يشمل حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتعزيز سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية.

ومن اللافت أن الشرع، رغم انتقاده الصريح لتدخل حزب الله في الحرب السورية واعتباره “قراراً خاطئاً ترك آثاراً مؤلمة في الذاكرة السورية”، تجنب لغة المواجهة أو التهديد، وفضّل الحديث عن الحوار باعتباره السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات حتى مع الأطراف التي توجد معها خلافات عميقة.

الشرع شدد أكثر من مرة على أن الحديث الأميركي جرى تفسيره بصورة غير دقيقة، وأن المقصود بالدور السوري هو المساهمة في وقف الحرب وفتح مسارات للحل عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، لا عبر التدخل العسكري أو الأمني.

بين مطلب نزع السلاح والحوار مع الحزب

تكشف تصريحات الرئيس السوري عن محاولة لبناء معادلة جديدة تقوم على الجمع بين هدفين متوازيين: الأول الاستجابة للمطالب الدولية والعربية المتعلقة بتطبيق القرار 1701 وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، والثاني تجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة مع “حزب الله” قد تؤدي إلى تفجير لبنان والمنطقة مجدداً.

ومن هنا يمكن فهم إصرار الشرع على الحديث عن “دور إيجابي” لسوريا يقوم على فتح قنوات الحوار بين القوى السياسية اللبنانية، لا على فرض حلول بالقوة.

فدمشق تدرك أن أي محاولة لفرض نزع سلاح الحزب بالقوة العسكرية ستكون وصفة لحرب أهلية أو إقليمية جديدة، كما تدرك أن الظروف الإقليمية الحالية لا تسمح بتكرار نماذج التدخل العسكري التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.

لذلك يبدو أن المقاربة السورية تقوم على تشجيع انتقال تدريجي للحزب من موقع القوة العسكرية المستقلة إلى موقع الشريك السياسي داخل الدولة اللبنانية، ضمن تسوية أوسع تضمن مصالح مختلف الأطراف وتراعي الهواجس الأمنية القائمة.

ففي مقابل المسار التفاوضي الجاري بين لبنان وإسرائيل، والذي يركز على وقف العمليات العسكرية وترتيبات الأمن الحدودي، تطرح سوريا ما يمكن وصفه بمبادرة سياسية موازية تستهدف معالجة أحد أبرز أسباب الأزمة اللبنانية، أي مسألة سلاح “حزب الله” وعلاقته بالدولة اللبنانية.

هل يتعارض ذلك مع موقف ترامب؟

عملياً، لا يظهر أي تناقض جوهري بين ما قاله ترامب وما طرحه الشرع في مقابلته الأخيرة.

فالرئيس الأميركي تحدث عن ضرورة معالجة ملف سلاح حزب الله باعتباره أحد مفاتيح الاستقرار في لبنان، بينما أوضح الرئيس السوري أن أي دور لبلاده سيكون سياسياً وحوارياً ويهدف إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية.

وبالتالي، فإن ما يجري تداوله عن احتمال قيام سوريا بعمل عسكري داخل لبنان لا يجد له أي سند في تصريحات الشرع، بل إن الرجل تعمد التأكيد مراراً أن بلاده لا تتبنى أي خيار عسكري خارج حدودها، وأن الأولوية هي لوقف الحرب وإطلاق مسارات سياسية واقتصادية تعيد الاستقرار إلى لبنان وسوريا معاً.

فرصة جديدة أم مجرد اختبار سياسي؟

يبقى السؤال الأساسي: هل يملك أحمد الشرع القدرة على إقناع “حزب الله” بالانخراط في مسار يؤدي في نهاية المطاف إلى التطبيق الكامل للقرار 1701 وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية؟

الإجابة لا تزال رهناً بالتطورات المقبلة. لكن المؤكد أن دمشق تحاول اليوم تقديم نفسها لاعباً إقليمياً مختلفاً عن صورة الماضي، لاعباً يسعى إلى الوساطة بدلاً من الوصاية، وإلى الحوار بدلاً من المواجهة.

وفي حال نجحت هذه المقاربة، فقد تشكل المبادرة السورية مكملاً سياسياً للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية، وتفتح نافذة جديدة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في لبنان والمنطقة: مستقبل سلاح حزب الله ودوره في مرحلة ما بعد الحرب.

السابق
مذكرة رسمية بالإقفال من رئاسة الحكومة بمناسبة ذكرى عاشوراء