مأزق الوعي اللبناني: حين انتصرت الجماعة وتراجع الوطن

الحرب على لبنان

ليست المعضلة الكبرى التي يواجهها لبنان اليوم في انهيار اقتصاده أو ضعف مؤسساته أو تعثر نظامه السياسي، على خطورة كل ذلك، بل في الأزمة الأعمق التي تقف خلف هذه المظاهر جميعاً: أزمة الوعي.

فالانهيارات الكبرى لا تبدأ يوم تسقط العملات أو تُقصف المدن أو تتعطل الإدارات، بل تبدأ حين يفقد المجتمع قدرته على رؤية الواقع كما هو، ويستبدل الحقائق بالسرديات، والمصلحة العامة بالعصبيات، والمواطنة بالولاءات الضيقة. عندها لا يعود الخراب حادثاً طارئاً، بل يصبح نتيجة طبيعية لمسار طويل من التشوه الفكري والسياسي.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون على أنفسهم ليس: كيف نخرج من الأزمة؟ بل: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الانهيار يتكرر، فيما تبقى الآليات التي أنتجته على حالها؟

من الدولة إلى الجماعة: كيف تراجع مفهوم الوطن؟

يقوم مفهوم الدولة الحديثة على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن القانون هو المرجعية العليا، وأن المواطنين متساوون أمامه بغض النظر عن انتماءاتهم الخاصة.

غير أن التجربة اللبنانية سارت في اتجاه معاكس؛ فبدلاً من أن تذوب الولاءات الجزئية داخل الإطار الوطني الجامع، جرى تضخيمها حتى أصبحت المرجعية الأساسية للفرد. وبمرور الوقت، لم يعد كثير من اللبنانيين ينظرون إلى الدولة باعتبارها مصدر الحقوق والحماية، بل إلى الطائفة أو الحزب أو الزعيم. وهكذا انتقلت العلاقة السياسية من مفهوم المواطنة إلى مفهوم الرعاية، ومن فكرة الحقوق العامة إلى منطق الامتيازات الخاصة. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه لا يغيّر شكل النظام فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي ذاته. فالفرد الذي يُربّى على أن أمنه ومستقبله وكرامته مرتبطة بالجماعة لا بالقانون، يصبح أكثر استعداداً للدفاع عنها حتى حين تتعارض مصالحها مع المصلحة الوطنية. وهنا تبدأ الدولة بالتراجع، لا بسبب ضعف مؤسساتها فحسب، بل بسبب ضعف الإيمان المجتمعي بفكرة الدولة نفسها.

صناعة الوعي وتطويع الحقيقة

لا يمكن لأي منظومة سياسية أن تستمر طويلاً بالاعتماد على القوة وحدها؛ فالقوة قد تفرض الطاعة، لكنها لا تضمن الشرعية. لذلك تلجأ الأنظمة والجماعات إلى إنتاج منظومات فكرية تبرر وجودها وتحميها من النقد.

في هذه الحالة تصبح اللغة أداة سلطة بحد ذاتها؛ فتُعاد صياغة المفاهيم، وتُستبدل الحقائق بالشعارات، ويجري خلط الوقائع بالرغبات حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بين ما هو قائم وما يتمنون أن يكون قائماً.

ومن أخطر مظاهر هذا الخلل أن النتائج تتراجع لمصلحة النوايا. فلا يعود الفشل سبباً للمحاسبة، ولا تصبح الخسائر معياراً للمراجعة، بل يتحول مجرد الانتماء إلى مبرر كافٍ لتبرئة الذات وإدانة الآخر. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال أكثر إزعاجاً من الخطأ نفسه، لأن السؤال يهدد البنية الفكرية التي تقوم عليها المنظومة بأكملها.

التطبيع مع الانهيار

ليست الكارثة في وقوع الأزمات، فالتاريخ الإنساني كله سلسلة من الأزمات والتحديات. أما الكارثة الحقيقية فتبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح غير المقبول أمراً عادياً.

لقد اعتاد اللبناني، خلال العقود الأخيرة، على ما كان ينبغي أن يرفضه: انهيار الخدمات، وتراجع قيمة العملة، والهجرة الجماعية، وغياب الاستقرار، والخوف المستمر من المستقبل. ومع تكرار الأزمات، نشأت حالة نفسية جماعية قوامها التكيف مع الاختلال بدلاً من مقاومته. فصار الصبر على الخلل يُقدَّم أحياناً بوصفه فضيلة، والتعايش مع الفشل بوصفه حكمة، والقبول بالأمر الواقع بوصفه واقعية سياسية. غير أن الأمم لا تنهض بالتكيف مع الانهيار، بل برفضه. فكل مشروع نهضوي في التاريخ بدأ عندما قررت جماعة بشرية أن ما تعيشه لم يعد مقبولاً أخلاقياً أو إنسانياً أو سياسياً.

غياب العقلانية السياسية

تتغذى الأزمات المزمنة عادة من غياب التفكير العقلاني في المجال العام. ففي السياسة كما في الاقتصاد، لا تكفي النوايا الحسنة ولا الشعارات الكبرى. إنما تُقاس السياسات بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، وتُقاس الخيارات بحجم ما تنتجه من مكاسب أو خسائر للمجتمع.

إن المشكلة الكبرى في المجتمعات المأزومة أنها تنشغل غالباً بالدفاع عن المواقف أكثر من انشغالها بتقييم نتائجها، ولذلك تتكرر الأخطاء نفسها لأن المراجعة الحقيقية تصبح مستحيلة. أما العقلانية السياسية فلا تعني التخلي عن المبادئ، بل إخضاع الوسائل والقرارات للتقييم المستمر، والاعتراف بأن أي خيار، مهما كانت دوافعه نبيلة، يبقى مسؤولاً عن نتائجه الواقعية.

أزمة العلاقة بين المجتمع والسلطة

لعل أخطر ما في الأزمة اللبنانية أنها لم تعد أزمة سلطة فحسب، بل أصبحت أزمة علاقة بين المجتمع والسلطة. فالجماعات السياسية لم تفرض حضورها بالقوة وحدها، بل وجدت بيئة اجتماعية خائفة من المجهول، فآثرت الاحتماء بالمألوف على المجازفة ببناء دولة حديثة. وهكذا نشأ نوع من التعاقد الضمني بين الراعي والرعية؛ تمنح الجماعة أفرادها شعوراً بالأمان والانتماء، ويمنحها الأفراد بالمقابل الولاء والتبرير والتسامح مع الأخطاء.

وفي مثل هذه البيئة لا يعود إصلاح النظام مسألة قانونية أو دستورية فحسب، بل يصبح مشروعاً ثقافياً يقتضي إعادة تعريف معنى المواطنة والولاء والمسؤولية العامة. فالأزمات المستعصية لا تُنتجها النخب وحدها، بل تُعيد المجتمعات إنتاجها أيضاً عندما تعجز عن مراجعة المسلمات التي اعتادت العيش في ظلها.

أزمة المستقبل

من أخطر ما يواجه لبنان اليوم أن قسماً كبيراً من شبابه لم يعد يرى مستقبله في وطنه. وحين تفقد الأجيال الجديدة ثقتها بالغد، يصبح النزيف البشري أخطر من النزيف المالي، لأن الأمم تُبنى بالإنسان قبل أي شيء آخر.

إن الأزمة اللبنانية ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة ورؤية. فلبنان يمتلك طاقات بشرية هائلة وكفاءات علمية ومهنية أثبتت حضورها في مختلف أنحاء العالم. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى دولة تؤمن بالعلم والكفاءة والمؤسسات، لا بمنطق المحاصصة والزبائنية والولاءات الضيقة. فالمستقبل لا يُبنى بالحنين إلى الماضي، ولا بالعيش داخل صراعات لا تنتهي، بل بإطلاق طاقات الإنسان وتمكينه من الإبداع والإنتاج والمشاركة في صناعة القرار.

الاتفاق على معنى الوطن

إن مأزق لبنان الحقيقي ليس في ضعف الدولة فحسب، بل في ضعف الفكرة التي تقوم عليها الدولة. وليس في فساد المؤسسات فقط، بل في الثقافة التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد والانقسام والعجز مرة بعد أخرى. فكل إصلاح سياسي أو اقتصادي سيبقى ناقصاً ما لم يسبقه إصلاح في الوعي نفسه؛ وعيٌ يعيد الاعتبار للمواطنة فوق العصبية، وللعقل فوق الانفعال، وللمصلحة العامة فوق المصالح الفئوية.

فالدول لا تسقط فقط عندما تضعف مؤسساتها، بل عندما يفقد مواطنوها الإيمان بالمشروع الوطني الجامع. كما أن الأوطان لا تُبنى بمجرد الاتفاق على تقاسم السلطة، بل بالاتفاق على معنى الوطن نفسه، وعلى القيم التي تجعل الانتماء إليه أوسع من أي انتماء آخر.

عندها فقط يمكن للبنان أن ينتقل من كونه ساحةً تتنازعها الجماعات إلى وطن يجتمع فيه المواطنون. وعندها فقط يصبح المستقبل مشروعاً ممكناً لا مجرد أمنية مؤجلة. فالأمم لا تُبنى حين تنتصر جماعة على أخرى، بل حين ينتصر الوعي على أوهامه، وينتصر الإنسان على مخاوفه، وتنتصر الدولة على الانقسامات التي منعت قيامها طويلاً.

السابق
إلى سكان صور.. بيان من كهرباء لبنان بشأن التغذية