بعد يومين على توقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية في جنيف، شهد مكتب «موقع جنوبية» لقاءً حوارياً عفوياً ضم عدداً من الكتّاب والصحافيين والناشطين، تمحور حول تداعيات الاتفاق، ومستقبل العلاقة الأميركية – الإيرانية، وانعكاسات التطورات الأخيرة على لبنان والمنطقة.
وشكّل اللقاء مساحة لتبادل القراءات السياسية والاستراتيجية للاتفاق الذي ما زالت تفاصيله النهائية موضع جدل واسع، وسط تباين واضح في تقدير الرابحين والخاسرين، وفي فهم ما إذا كانت المنطقة دخلت فعلاً مرحلة جديدة من الاستقرار أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولات أخرى من الصراع.
قواص: الاتفاق «كذّاب» ويجمّد الحرب ولا ينهيها

رأى الكاتب والمحلل السياسي الأستاذ محمد قواص أن مذكرة التفاهم المعلنة «أشبه بأحجية سياسية»، معتبراً أنها لا تمثل اتفاقاً نهائياً بقدر ما تشكل إطاراً لتجميد الحرب وليس لإنهائها.
وأشار إلى أن الاتفاق نفسه يشبه الحرب التي سبقته، إذ إن المواجهة كانت عملياً حرباً ثنائية خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، بينما لم يكن العالم متحمساً لاستمرارها أو توسيع نطاقها.
وكشف قواص أن وزير الخارجية العُماني أبلغ واشنطن في السابع والعشرين من شباط موافقة إيرانية على صيغة اتفاق تلبي المطالب الأميركية الأساسية، إلا أن الحرب اندلعت في اليوم التالي، ما يعكس وجود مسار تفاوضي طويل بين الطرفين تداخل مع المسار العسكري.
وتوقف عند مسألة اليورانيوم المخصب، معتبراً أن امتلاك إيران نحو طن من المواد المخصبة منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مادة سياسية لإقناع الرأي العام الأميركي بضرورة التحرك، عبر الحديث عن إمكانية تصنيع عدد من القنابل النووية.
ورأى أن الاتفاق المعلن «اتفاق كذّاب» بالمعنى السياسي، لأن كثيراً من الملفات الجوهرية لم تُحسم بعد، مشيراً إلى أن إسرائيل وإيران معاً خرجتا متضررتين من نتائجه الحالية.
لبنان خارج الحسابات الكبرى
وفي الشق اللبناني، اعتبر قواص أن لبنان قد يجد نفسه مضطراً للتعايش مع الوضع الراهن لسنوات، في ظل غياب أي حلول حاسمة للملفات العالقة.
ولفت إلى أن الأميركيين يتعاملون مع الجبهة اللبنانية باعتبارها منفصلة عن الصراع الإيراني – الإسرائيلي، بينما الواقع يؤكد أن الحرب كانت وما زالت مرتبطة بصورة مباشرة بالمواجهة بين طهران وتل أبيب.
وأكد أن الورقة اللبنانية لا تزال في جزء كبير منها بيد إيران، على الرغم من كل ما شهدته المنطقة من متغيرات.
كما رأى أن الدول العربية والإسلامية الأساسية لا تريد استمرار الحرب، وأن مواقف دول مثل تركيا والسعودية تعكس اتجاهاً عاماً نحو احتواء التصعيد والدفاع عن الاستقرار الإقليمي.
حارث: تغيير السلوك بدل تغيير النظام

من جهته، رأى الدكتور حارث أن الموقف الأميركي انتقل خلال الأشهر الماضية بين خيارين: تغيير النظام الإيراني أو تغيير سلوكه.
واعتبر أن خيار إسقاط النظام كان يحمل مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة، لأن تفكك إيران سيؤدي إلى تداعيات خطيرة لا ترغب بها الدول المحيطة، ولذلك عاد التركيز إلى هدف تعديل السلوك الإيراني بدلاً من إسقاط النظام.
وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاول إقناع إدارة ترامب بإمكانية فرض التغيير بالقوة، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية دفعت واشنطن إلى تبني مقاربة مختلفة.
وقال إن النظام الإيراني أثبت قدرته على إدارة المعركة سياسياً وأمنياً، لكنه خسرها عسكرياً، في حين تمكن من استخدام أوراق الضغط الاقتصادية، ولا سيما ملف مضيق هرمز وأسواق النفط، لتحسين شروطه التفاوضية.
إيران خسرت المعركة لكنها حافظت على أوراق قوة
ورأى حارث أن الاتفاق يسعى إلى معالجة ملفات أساسية تتعلق بالبرنامج النووي والعقوبات وحرية الملاحة والتجارة الدولية، مقابل دفع إيران نحو تغيير سلوكها الإقليمي.
لكنه أشار إلى أن ملف الأذرع الإقليمية لم يظهر بصورة مباشرة في نصوص الاتفاق، ما يعكس صعوبة حسمه في المرحلة الحالية.
كما اعتبر أن النقطة الأهم بالنسبة إلى إيران تكمن في أن الملف النووي لم يُقفل نهائياً، بل جرى تأجيل حسمه إلى مراحل لاحقة من التفاوض.

وحذر من أن إسرائيل قد تستفيد من الثغرات والغموض الموجود في الاتفاق لمواصلة سياساتها العسكرية في المنطقة، بما فيها لبنان.
لبنان بين الغموض الأميركي والطموح الإسرائيلي
وفي ختام النقاش، برز شبه إجماع بين المشاركين على أن لبنان ما زال الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية.
وتوقّف المجتمعون عند الغموض الذي يحيط بمستقبل الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية المحتلة، وحدود الضغوط التي يمكن أن تمارسها واشنطن على تل أبيب.
كما جرى التشديد على أهمية إعادة وصل لبنان بعمقه العربي والاستفادة من أي مظلة عربية داعمة في مواجهة التحديات المقبلة، في ظل تصاعد المخاوف من استمرار الطموحات الإسرائيلية الإقليمية ومن بقاء الساحة اللبنانية رهينة التجاذبات الخارجية.
وخلص اللقاء إلى أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية قد تكون بداية مسار جديد في المنطقة، لكنها لم تقدّم حتى الآن إجابات حاسمة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل لبنان، ودور إيران الإقليمي، وحدود النفوذ الإسرائيلي، وشكل التوازنات التي ستنشأ بعد الحرب.

