شهد قصر بعبدا سلسلة لقاءات وزارية وأممية ودبلوماسية وروحية، تناولت ملفات المفاوضات، والوضع في الجنوب، وعمل قوات “اليونيفيل”، ودعم لبنان في دوائر القرار الأميركية، إضافة إلى شؤون وزارة الأشغال العامة والنقل ومجلس الإنماء والإعمار.
وأكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، خلال لقائه وفدًا من المطارنة الموارنة في الاغتراب، أن “التأكيدات التي بلغتنا وما نُصرّ عليه هو أن لبنان مساره مستقل في المفاوضات، وإن كنا بالتأكيد مع وقف إطلاق النار ومع أي دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران”. وشدد على أن “التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها، وما من أحد يأخذ مكانها، وهذا بات موضع قناعة لدى الجميع”، مطمئنًا اللبنانيين إلى أن “لا أحد يربطنا بأي دولة أخرى، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا”.
وضم وفد المطارنة الموارنة في الاغتراب الأساقفة: غريغوري منصور من بروكلين في الولايات المتحدة الأميركية، إدغار ماضي من البرازيل، بول مروان تابت من كندا، يوحنا حبيب شامية من الأرجنتين، أنطوان شربل طربيه من أستراليا، إلياس عبد الله زيدان من لوس أنجلوس، سيمون فضول من إفريقيا، بيتر كرم نائبًا بطريركيًا وزائرًا رسوليًا على أوروبا، الإكسرخوس فادي أبو شبل من كولومبيا، المونسنيور إيلي مخايل مدبرًا رسوليًا في أبرشية المكسيك، والأب كلود ندره الأمين العام لدائرة الأبرشيات المارونية في بلدان الانتشار.
وفي مستهل اللقاء، ألقى المطران منصور كلمة باسم الوفد، أكد فيها الصلاة من أجل لبنان، مشيدًا بجهود الرئيس عون والسيدة الأولى، وبما يقومان به لمنح اللبنانيين الأمل بيوم جديد. ولفت إلى أن لبنان، رغم الحروب والأزمات، لا يزال شعبه مستعدًا للعمل من أجل السلام بروح النعمة والغفران والمحبة، مستعيدًا ما قاله الرئيس عون في مقابلة مع CNN من أن “الحرب هي مفاوضات دامية، بينما المفاوضات هي حرب بلا دماء”. وشدد على أن الهدم وخوض الحروب سهل، أما البناء وصنع السلام فأصعب بكثير، مؤكدًا دعم الأساقفة الموارنة في بلاد الانتشار وصلواتهم للرئيس عون ولبنان.
ورد الرئيس عون مرحبًا بالوفد، معتبرًا أن المطارنة يمثلون اللبنانيين في بلدان الانتشار لا فئة معينة فحسب، وأن صوتهم مسموع في الدول التي هم فيها، شاكرًا صلواتهم ودعواتهم من أجل لبنان واللبنانيين المنتشرين في العالم، واصفًا إياهم بأنهم “رافعة للبنان المقيم”.
وأشار عون إلى أنه، انطلاقًا من خبرته في قيادة الجيش وصولًا إلى موقعه الحالي، أدرك أن الحرب لا تؤدي إلى أي نتيجة سوى الخراب والدمار. وقال إن طريق السلام والتفاوض قد تكون طويلة، لكنها أفضل من طريق قصيرة كلفتها قاسية كما هي حال الحرب، لافتًا إلى أن لبنان لديه فرصة وأن اللبنانيين تعبوا من تسلسل الحروب. وأضاف أن لبنان منذ العام 1969 لا يزال يدفع أثمان حروب الآخرين على أرضه، سائلًا عما إذا كانت هناك ضرورة للحرب الأخيرة للعودة إلى وقف إطلاق النار بعد آلاف الشهداء والجرحى، من أصل 4 ملايين لبناني، فضلًا عن الدمار الهائل المقدرة قيمته بمليارات الدولارات.
وشدد رئيس الجمهورية على ضرورة عدم نسيان الماضي كي لا يتكرر في المستقبل، معتبرًا أن رسالة المطارنة أساسية في المساعدة على بناء الدولة، “لأنه كما أكرر دائمًا، وحدها الدولة تحمي الجميع، لا الطوائف ولا الأحزاب”. وأكد أن دور الأحزاب في بناء الدولة مقبول ضمن البعد الديمقراطي، أما المرفوض فهو أن تدير الأحزاب الدولة لمصالحها، مشيرًا إلى أن المواطنين في الداخل والخارج يتوقون إلى استعادة دور الدولة بمؤسساتها الأمنية والإدارية والقضائية.
وأكد الرئيس عون أن لا خوف على السلم الأهلي، وأن هذا الأمر يجب ألا يخيف اللبنانيين، معتبرًا أن من يهدد به أصبح ضعيفًا ويريد إخافة الآخر المختلف عنه ليبقى موجودًا. وشدد على أن السلم الأهلي خط أحمر، وأن المرحلة المقبلة هي لإعادة بناء الدولة بكل مؤسساتها، إضافة إلى إعادة إعمار ما تهدم بفعل حرب فُرضت على لبنان، موضحًا أن الدولة ليست مسؤولة عن هذه الحرب، لكنها مسؤولة تجاه شعبها عن إعادة الإعمار والنهوض.
ورأى رئيس الجمهورية أن الأمل كبير بلبنان، وأن هناك جيلًا واعيًا يريد هذا البلد، داعيًا إلى تأمين مستقبله بالتعاون والدعم. وقال إن اللبناني موجود في معظم دول العالم، وهو محترم وفاعل ومؤثر، كما ساهم في نهضة دول عدة، وبالتالي فهو قادر على إعادة إعمار وطنه. وسأل: “لماذا وصلنا إلى هنا؟ لماذا استجلبنا حروب الآخرين علينا؟”، معتبرًا أن ذلك حصل لمصالح الآخرين ولمصالح فئوية وشخصية، لا لمصلحة لبنان، ومؤكدًا الأمل بطي هذه الصفحة نهائيًا.
ودار حوار بين الأساقفة ورئيس الجمهورية، أكدوا خلاله محبتهم وثقة اللبنانيين في الاغتراب برؤيته للبنان وطريقة إدارته الواقع الراهن في هذه المرحلة الصعبة، ودعمهم للمضي قدمًا لما فيه مصلحة لبنان.
وردًا على سؤال عن الرسالة التي على الأساقفة حملها إلى اللبنانيين في الانتشار، قال الرئيس عون: “قولوا لهم: لبنان بلدكم. ومن ليس له بلد لا هوية له. حافظوا على بلدكم كما إيمانكم بأديانكم. وأي قضية من دون إيمان لا يُكتب لها النجاح. وحتى لو بقيتم ألف سنة خارج لبنان، فهو ما يجمعكم. حافظوا على ثقتكم بوطنكم”.
وأوضح رئيس الجمهورية أن التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية، وأن الأسبوع المقبل سيشهد جولة جديدة يؤمل أن تكون أكثر إيجابية، لا سيما مع الاهتمام الكبير للإدارة الأميركية بلبنان. ولفت إلى أن الدولة اللبنانية، ولأول مرة، هي التي تقوم بالتفاوض، وما من أحد يفاوض عنها، مؤكدًا أن هدفه واضح مهما كانت العوائق، وأن “صاحب الحق سلطان”، وأنه سيأخذ لبنان إلى مكان جيد.
وتطرق عون إلى بعض الأصوات اللبنانية في الخارج التي، وفق قوله، “تسمم الأجواء وتحرض ضد لبنان”، متسائلًا عن كيفية أن يسير لبناني في الخارج في منحى تدمير لبنان أو يطلب قطع المساعدات عن الجيش اللبناني. وقال: “إذا كنتم تحبون لبنان لا يمكنكم إلا أن تحبوا جيشه، وإذا لم تحبوا جيشه فلا شرف لكم”.
إلى ذلك، عرض رئيس الجمهورية مع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني مسار الحركة في المعابر البرية والجوية والبحرية، وتقدم العمل في إعادة تأهيل مطار رينيه معوض في القليعات. كما تناول البحث خطط تطوير العمل في مطار رفيق الحريري الدولي في إطار من الحوكمة والإدارة الرشيدة.
وبحث الرئيس عون مع قائد القوات الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل” الجنرال ديوداتو أبانيارا، في حضور القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا، الوضع في الجنوب وعمل “اليونيفيل” في ضوء الصعوبات والمضايقات التي تواجه تحركها في منطقة العمليات الدولية، كما تطرق البحث إلى مرحلة ما بعد انتهاء عمل هذه القوات في لبنان. وجدد الرئيس عون تعازيه بشهداء القوات الدولية في الجنوب، منوهًا بتضحياتهم في سبيل السلام في لبنان.
والتقى الرئيس عون سفير الدنمارك في لبنان كريستوفر فيفيكيه Vivike في زيارة وداعية لمناسبة انتهاء مهمته في لبنان. وتم خلال اللقاء عرض العلاقات الثنائية بين البلدين، وشكر رئيس الجمهورية السفير فيفيكيه على الدور الذي لعبه خلال وجوده في بيروت لتعزيز العلاقات اللبنانية ـ الدنماركية وتطويرها في المجالات كافة، كما شكره على الدعم الذي تقدمه الدنمارك للبنان، لا سيما أنها تحتل المركز العاشر بين الدول المانحة، ولم تتردد يومًا في مساعدة لبنان في الظروف الصعبة التي مر بها. وتمنى له التوفيق في مهامه الجديدة مديرًا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الدنماركية.
كما عرض رئيس الجمهورية مع النائب فيصل كرامي الأوضاع العامة في البلاد عمومًا، وفي طرابلس والشمال خصوصًا.
واستقبل الرئيس عون وفدًا من مجموعة “Alpipac” والمجلس الاستشاري التابع لها، ضم بول هندي، وجوزف الحاج، وباميلا قصيفي. وعرض الوفد طبيعة عمل المجموعة والمجلس الاستشاري الذي تم تشكيله، ويضم شخصيات وخبرات من مختلف القطاعات، ويعمل بصورة دائمة لدعم لبنان وتعزيز حضوره لدى دوائر القرار في الولايات المتحدة الأميركية.
وتناول اللقاء الجهود المبذولة للتواصل مع أعضاء الكونغرس والإدارة الأميركية والجهات المعنية، بهدف تعزيز الدعم الدولي للبنان، وتشجيع الاستثمارات والمساعدات، ومواكبة المبادرات والتشريعات التي يمكن أن تسهم في دعم مسار التعافي. وأكد المجتمعون أهمية الاستفادة من الزخم الإيجابي الحالي لتعزيز حضور لبنان على الساحة الدولية، وضرورة مواصلة العمل لتوضيح أولويات لبنان واحتياجاته أمام الشركاء الدوليين.
كما جرى التشديد على الدور المحوري الذي تؤديه المؤسسة العسكرية اللبنانية في حفظ الاستقرار والأمن، وأهمية استمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني وللمؤسسات الشرعية، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الراهنة وترسيخ الاستقرار. وشكر الرئيس عون أعضاء الوفد على جهودهم ومبادراتهم الداعمة للبنان، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب تضافر جميع الجهود لتعزيز صمود الدولة ومؤسساتها.
واستقبل رئيس الجمهورية رئيس مجلس الإنماء والإعمار المهندس محمد قباني، ونائبي الرئيس إبراهيم شحرور ويوسف كرم، والأمين العام للمجلس غسان خير الله، وعرض معهم عمل المجلس والمخططات التي تتم دراستها فيه، والصعوبات التي تواجه تنفيذ بعض الأشغال.

