من «الشيطان الأكبر» إلى مذكرة التفاهم: هل ما زالت واشنطن تحتوِي نظام الملالي؟

ياسين شبلي

بالرغم من معارضتي السياسية  الشديدة لنظام الملالي في إيران التي تعود إلى شهور ما بعد الثورة في العام 1979 ، تاريخ سقوط القناع عن وجه ” الثورة الإسلامية ” في عدائها لكل ما هو عربي ، من مطالبة بضم دولة البحرين ومحاولات تصدير الثورة عبر التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية ومحاولة هز إستقرارها ، إلى إندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في العام التالي 1980 . أقول بالرغم من هذه المعارضة إلا أنني لم أشكك يوماً في ” دهاء وخبث ” هذا النظام ، الذي أحسن الإستثمار في مشاعر الناس البسطاء عبر إستغلال الدين والمقدسات في خطابه السياسي ، خاصة في الدول التي زرع فيها أذرعه الأمنية والعسكرية التي نجح بإشغال العالم بها وبمشاكساتها في المنطقة ، وذلك بغية صرف أنظار هذا العالم عن محاولاته لتطوير برنامجه النووي وعسكرة بلاده كخيار أول في الدفاع عن النظام ، شأنه شأن كل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية   في العالم .

احتواء الشيطان الاكبر لإيران

لا شك بأن هذا الخبث والدهاء الذي تجلَّى سياسياً في المواءمة ما بين الفكر الديني الغيبي في تعامله مع مناصريه ، وبين الواقعية السياسية التي تعامل بها مع العالم ، قد أمَّن له إستمرارية وإستدامة – حتى الآن على الأقل – ولو على حساب حرية شعبه ورفاهيته ، كما على حساب دماء ومصالح بلدان المنطقة ووحدة بعضها التي عانت الأمرين منه ، وقد نالنا نحن في لبنان ربما حصة الأسد من هذه السياسة كما العراق واليمن وسوريا وفلسطين والخليج عموماً . كل هذا تحت شعارات محاربة إسرائيل والإستكبار العالمي ممثَّلاً ب ” الشيطان الأكبر ” أميركا ، هذا الشيطان الذي بقي بالرغم من كل الخطاب والممارسات الإيرانية ضده إبتداءً من إحتجاز الرهائن الأميركيين في طهران عام 1979 ، وإحتجاز الرهائن الغربيين وقتل بعضهم في لبنان ، والهجوم على قوات المارينز في بيروت عام 1983 وغيرها من الحوادث ، بقي هذا الشيطان يتعامل مع النظام بسياسة ” الإحتواء ” التي بدأتها إدارة بيل كلينتون منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ، عبر فرض العقوبات وتجميد الأموال والتضييق السياسي ، وليس بمفهوم إسقاط النظام ، بل على العكس ففي ظل سياسة ” الإحتواء ” هذه ، حصل هناك بعض التقاطع في المصالح بين الطرفين في عدة محطات ، كان أولها ” الإتفاق ” الذي تم على إطلاق سراح الرهائن الأميركيين في طهران عشية الإنتخابات الرئاسية الأميركية عام 1980 ، ما أدى إلى إسقاط الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر لصالح فوز الجمهوري رونالد ريغان ، الأمر الذي سهَّل بعدها بسنوات وتحديداً عام 1986 الصفقة بين الطرفين التي عُرفت بفضيحة إيران – كونترا ، التي باعت فيها أميركا أسلحة لإيران عن طريق إسرائيل بحيث أُستخدمت أموال الصفقة لتمويل حركة ” كونترا ” المعارضة في نيكاراغوا ، وذلك مقابل إطلاق سراح الرهائن الغربيين في لبنان . كذلك التقاطع الذي حصل بينهما في كل من العراق وأفغانستان في عهد جورج بوش الإبن بداية الألفية الجديدة ، ومن ثم التحالف بينهما ضد تنظيم داعش في العراق العام 2014 ، عندما قاتل رجال قاسم سليماني على الأرض العراقية تحت غطاء جوي أميركي ، وصولاً إلى الإتفاق النووي عام 2015 إبان عهد باراك أوباما مع ما حملته كل هذه الصفقات من إطلاق يد إيران للعبث بأمن المنطقة العربية ودولها ، ما جعل سياسة ” الإحتواء ” تتحوَّل إلى سياسة إنفلاش إيراني في المنطقة بغض نظر أميركي ، يدفع ثمنها العرب من أهلها.

القوة الاميركية ..احتواء جديد

اليوم والعالم يشهد توقيع ” ورقة تفاهم ” بين الجانبين ، وذلك بعد حوالي 100 يوم على بداية الحرب على إيران وتطوراتها وتداعياتها ، والتي عملت أبواق النظام الإيراني على الترويج منذ البداية بأن هدفها إسقاط النظام خاصة مع إغتيال المرشد علي خامنئي ليبدو عدم سقوطه لاحقاً بأنه إنتصار يمكن تسويقه للأتباع بالرغم من الخسائر التي تكبدتها إيران ومحورها ، يبدو اليوم من أسلوب تعامل الإدارة الأميركية مع الأزمة منذ بدايتها بأن سياسة ” الإحتواء ” الأميركية للنظام الإيراني لا زالت قائمة مع تغيير في أسلوب التعامل معه بعد أن تخطى حدود ما ترضى به الولايات المتحدة بالنسبة لبرنامجه النووي ، الأمر الذي دفع إدارة دونالد ترامب لإستعمال القوة كأسلوب ” إحتواء ” جديد ، وذلك عبر تغييب المرشد ورجاله من رعيل الثورة الأول ، لصالح وجوه جديدة في النظام بهدف تغيير سلوكه بدل  تغييره بنظام جديد ليس متاحاً في الوقت الحاضر . فالنظام الإيراني – مع بعض التعديل – يبدو وكأنه لا يزال يمثِّل حاجة أميركية كشرطي و ” بعبع ” في المنطقة لإبقائها في حالة إستنفار دائم ، سواء في الخليج أو حتى في إستعماله – ربما – للجم طموحات بنيامين نتنياهو ومعه اليمين الإسرائيلي المتطرف ومخططاته المجنونة والمعلنة عن ” إسرائيل الكبرى ” ، فالنظام الإيراني وبعيداً عن البروباغندا والعنتريات التي ينشرها وأنصاره ، وبالرغم من قوته النسبية التي يستمدها من ” الشرعية الدينية والعقائدية ” المسنودة بالقبضة الحديدية في الداخل وأذرعه في الخارج ، لم يكن ليصمد بوجه الولايات المتحدة لو كانت أرادت إسقاطه فعلاً ، ولنا في أنظمة صدام حسين في العراق وبشار الأسد في سوريا عبرة ومثلاً على ذلك ، ففي العراق كان بإمكان الولايات المتحدة إسقاط النظام عام 1991 بعد حرب ” عاصفة الصحراء ” ، إلا أنها تركته وإتَّبعت معه سياسة ” الإحتواء ” عبر العقوبات والحصار وبعدها عبر عملية ” ثعلب الصحراء ” عام 1998 ، حتى حان موعد إسقاطه بالتوقيت الأميركي عام 2003 .

تلاعب الانظمة الممانعة

كذلك نظام بشار الأسد فقد بدأت سياسة ” الإحتواء ” الأميركية له  بعد عملية إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 في لبنان ، فأخرجته من لبنان وإنكفأ إلى داخل حدوده ، حتى كانت الثورة وكان النظام على قاب قوسين أو أدنى من السقوط عام 2013 ، قبل أن تمد له أميركا – أوباما حبل النجاة لتطيل عمره عبر إتفاق تدمير الأسلحة الكيماوية الذي لم يُنفَّذ وقتها ، لتستدرج إيران وحزب الله أكثر فأكثر إلى المستنقع السوري ، حتى حان موعد إسقاطه بعد عملية ” طوفان الأقصى ” وتداعياتها خاصة في لبنان ، فكان أن فرَّ بشار الأسد في ليلة ” ما فيها ضو قمر ” كما يقال .

 هذه الأحداث تثبت بأن الولايات المتحدة في ظل نظام القطب الواحد الذي سرى عملياً منذ بداية التسعينيات بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي باتت تتلاعب بهذه الأنظمة الممانعة التي لم تتأقلم مع النظام الجديد ، في حين أن هذه الأخيرة كانت تتلاعب بعواطف شعوبها عبر دغدغة شعورها الوطني وإدعاء محاربة الإستعمار ، وهي في الحقيقة إنما كانت تحاول الحفاظ على ديمومتها من دون أي تغيير يُذكر في سلوكها تجاه شعوبها والمنطقة . وهذا الأمر ينطبق على النظام الإيراني الذي كان الأذكى والأخبث من ضمن هذه الأنظمة ، وهو ما سمح له كما أسلفنا بالإستمرارية ، وما مذكرة التفاهم اليوم التي وقعها مع ” الشيطان الأكبر ” إلا الدليل على أن أوان إسقاطه لم يحن بعد ، وأن سياسة ” الإحتواء ” الأميركية له ثابتة حتى الآن ،  وإن كانت هذه المرة قد تمت بالنار ، فهل ستدوم هذه السياسة أم هي فرصة لإختبار القيادة الجديدة ، هذا ما ستثبته الأيام والتطورات المقبلة التي ستبيِّن مدى إلتزام النظام الإيراني بشخصياته الجديدة – القديمة بالمطلوب منه سواء في الداخل الإيراني أو على مستوى المنطقة ليُبنى على الشيء مقتضاه .

السابق
غموض الاتفاق إيراني – أميركي: هل يكون لبنان ضحية؟!
التالي
بين الولاء للحزب وكلفة الحرب: ماذا يقول الشيعة الذين لا يظهرون على الشاشات؟