ايران للجنوب: مت قرير العين!

احمد عياش

احتفل محور الممانعة بحدث إستبدال “الصبر الاستراتيجي” ب”الحزم الاستراتيجي”، والذي تجلى بدفعة الصواريخ الباليستية التي اطلقتها ايران على إسرائيل ردا على الغارة الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت. وانطلق مع هذا الاحتفال الكلام عن معادلة جديدة ارستها هذه الصواريخ الإيرانية . وقد اسهب بيان “مقر خاتم الأنبياء” في طهران في شرح مضمون هذه المعادلة كما ورد في نصه الذي أوردته وكالة تسنيم للانباء الاثنين الماضي. وجاء في البيان: “على اثر الاعتداءات والشرور التي اقترفها الكيان الصهيوني السفّاح في جنوب لبنان ومنطقة الضاحية، بدعم من أميركا الإجرامية، وجهت القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في إطار دعمها للشعب اللبناني المظلوم، رداً موجعاً لهذا الكيان…لكننا نؤكد أنه في حال استمرار الاعتداءات والشرور، بما في ذلك في جنوب لبنان، فإن إجراءات أشد وأقسى مما سبق ستكون في الطريق”.
في اليوم التالي بعد التهديد والوعيد الإيراني، أوردت وكالة رويترز النبأ الاتي:” قالت وزارة الصحة اللبنانية إن إسرائيل شنت غارة على مدينة صور الساحلية التاريخية في جنوب لبنان الثلاثاء، ما تسبب في مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، وذلك بعدما أصدرت أمرا بإخلاء المدينة بأكملها لأول مرة”.
كان بود من تبقى من سكان في صور مشاطرة جماعة الممانعة فرحتهم ببزوغ فجر “الحزم الاستراتيجي”، لكن الوقت لم يسعفهم لاضطرارهم لمغادرة المدينة على عجل. فقد أصدر الجيش الإسرائيلي صباح الثلاثاء إنذارا بالإخلاء لمدينة صور اللبنانية، بما في ذلك الحي المسيحي، الذي كان يستثنيه في إنذارات إخلاء سابقة ويلوذ به نازحون من أماكن أخرى من المدينة.وقال الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي إن عناصر من “حزب الله” تختبئ في الحي.ودعا المسيحيين في المدينة إلى مطالبة حزب الله بالرحيل، وهدد بإخلاء الحي إذا لم يغادره مقاتلو الحزب الممانع.
وبينما واكب الإعلام فرار سكان صور ، تولت فرق الدفاع المدني نقل كبار السن الذين بقوا إلى ملاجئ مؤقتة.
تكتمل الغرابة فصولا ببيان أصدره “حزب الله” تزامنا مع نكبة صور مجّد فيه “الرد الصاروخي الإيراني على الكيان الصهيوني دفاعا عن شعبنا اللبناني”. وقال ان سلطة لبنان مطالبة ب”شكر” ايران “وليس التنكُّر والإساءات المتعمدة استجابة لإملاءات خارجية”. كما دعا بيان الحزب السلطة اللبنانية إلى “اغتنام الفرصة المتاحة وتصحيح علاقتها الرسمية مع الجمهورية الإسلامية بما يخدم مصالح الدولتين، والاستفادة من هذا الدعم الإيراني من أجل تحقيق أهدافنا الوطنية خصوصًا على ضوء تشكُّل المظلة الإقليمية الجديدة المنبثقة من مفاوضات إسلام آباد “.
تميط صحيفة النيويورك تايمز اللثام عن مسرحية “الحزم الاستراتيجي”, وأوردت تحليلا تحت عنوان “لماذا خاطرت إيران بهجوم على إسرائيل؟” أعدته إريكا سولومون وجاء فيه:” يقول المحللون إن قادة إيران يريدون إظهار جديتهم في الدفاع عن حلفائهم من “حزب الله “في لبنان والحفاظ على توازن القوى الإقليمي “. أضافت: “للوهلة الأولى، قد يبدو رد طهران على الهجمات الإسرائيلية في لبنان عملا متهورا يهدد بإشعال حرب إقليمية مدمرة. بالنسبة لإيران، كانت تلك الضربات ضرورية – كجزء من موقف أكثر عدوانية يمثل تحولا استراتيجيا من قبل حكامها الجدد. بالنسبة لهم، كان درس الحرب أن الرد القوي سمح لهم بالبقاء، بل والخروج بقوة ضد أعدائهم الأقوى. وقال أوميد ميماريان، خبير إيران في مركز أبحاث السياسة الخارجية DAWN ومقرها واشنطن: “إيران تريد إظهار القوة، وأن لديها القدرة على التصعيد. إنهم يرسلون رسالة بأنهم مستعدون لاستئناف الحرب إذا لزم الأمر “.
ولفتت النيويورك تايمز الى انه على مدى العقد الماضي، تحت قيادة المرشد الأعلى السابق لإيران، علي خامنئي، “كانت طهران أكثر حذرا بشأن ضرب إسرائيل والولايات المتحدة. في عام 2020، نفذت طهران ضربات انتقامية محدودة فقط ضد واشنطن بعد أن اغتالت الولايات المتحدة أحد أقوى قادتها العسكريين، قاسم سليماني. واقتصر كامل ردها على ضربات على قاعدة أميركية واحدة في قطر خلال الحرب التي استمرت 12 يوما في حزيران الماضي. وفي الأسابيع الأخيرة، تسامح المسؤولون الإيرانيون إلى حد كبير مع الضربات الإسرائيلية على أهم حلفاءها، “حزب الله.”
وقال صادق لاريجاني، رئيس مجلس المصلحة الإيراني القوي الذي يقدم المشورة للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي :”هجوم إيران للدفاع عن لبنان لم يكن مجرد رد عسكري؛ ، بل كان إعلانا رسميا عن عقيدة استراتيجية إذا تعرض أي عنصر من عناصر محور المقاومة لهجوم، فإن الرد سيتجاوز الحدود الجغرافية وسيغير ميزان القوى الإقليمي”، مستخدما مصطلح إيران لشبكة الجماعات المسلحة المتحالفة في المنطقة التي تشمل “حزب الله”.
وقالت الصحيفة الأميركية أيضا: “من خلال أفعالها، تريد إيران أن تظهر جديتها في الدفاع عن حلفائها الميليشيات الإقليميين. وكان قادة ايران السابقون امتنعوا عن الرد على الهجمات الإسرائيلية في 2024 التي أضرت ب”حزب الله “بشدة وقتلت زعيمه الكاريزمي حسن نصر الله. ولكن منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية في 28 شباط الماضي والتي قتلت معظم كبار قادة إيران السابقين، بمن فيهم خامنئي، يعتقد الحكام الجدد في إيران أن استعدادهم للتصرف بشكل أكثر عدوانية – من حصار مضيق هرمز الحيوي إلى مهاجمة جيرانه في الخليج – كان نجاحا كبيرا. ..
لكن الدفاع عن” حزب الله” لا يقتصر فقط على الاختبار أو التظاهر .وقيّم حميد رضا عزيزي، خبير الأمن الإيراني في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، قدرة “حزب الله” على مواصلة مهاجمة شمال إسرائيل خلال الحرب الأخيرة باعتبارها حاسمة لمنح إيران مساحة لتركيز هجماتها على جيرانها الخليج الغنيين بالنفط. وأضاف أن السماح لإسرائيل بإضعاف “حزب الله” أكثر سيكون مكلفا عسكريا لإيران في صراع مستقبلي تعتبره حتميا.
وتخشى إيران أن جهود إسرائيل لإضعاف” حزب الله” هي جانب آخر من تلك الاستراتيجية.وقال عزيزي إن الإيرانيين يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل “تستخدمان وقف إطلاق النار لتشكيل الواقع على الأرض بطريقة من شأنها أن تقوض النفوذ الذي حققته إيران خلال هذه الحرب”.
إذا، يقدم تسارع الاحداث الدليل على ان “الصبر الاستراتيجي” بالأمس و”الحزم الاستراتيجي” اليوم ما هو الا خديعة استراتيجية لفقتها ايران ونفذها “حزب الله” ضد لبنان عموما والشيعة حصوصا ، والتي تعني الان مواراة الجنوب تحت التراب كي يبقى نظام الملالي واداته في لبنان على قيد الحياة.

السابق
بالتنسيق مع الصليب الأحمر والدفاع المدني: «اليونيفيل» تنجح في إجلاء مدنيين عالقين من بلدة رميش