لم يكن المطلوب من الشيخ حسن خالد أن يحمل بندقية، فقط أن يصمت. ففي لبنان، كانت هذه دائماً الجريمة الكبرى: أن تقول “لا” في اللحظة التي يكون فيها الجميع قد تعلّم الانحناء.
قبل اغتياله بسنوات قليلة، وقف مفتي الجمهورية في الملعب البلدي وقال ما يشبه الحكم بالإعدام على نفسه. لم يتحدث كرجل دين يبحث عن تسوية، بل كرجل رأى مبكراً كيف تبدأ الدول بالموت، حين تقرر قوة واحدة أن الوطن ملكٌ لها، وأن البقية مجرد سكان فائضين عن الحاجة.
قالها بوضوح قاسٍ: “لا أحد يستطيع بناء لبنان على صورته”. عبارته هذه كانت إعلان مواجهة مع نظام كامل كان يبتلع لبنان شارعاً شارعاً، ومؤسسةً مؤسسةً، ورجلاً رجلاً.
زمن الوصاية والخوف
في تلك السنوات، كان النظام السوري يتصرف كأنه الوريث الشرعي للجمهورية اللبنانية. السياسيون يُستدعون إلى عنجر كما يُستدعى الموظفون إلى دوائرهم، والضباط يقررون من يحكم ومن يسقط ومن يختفي، والصحف تُخنق، والمعارضون يُكسرون، والخوف صار لغة رسمية للدولة.
وسط هذا الخراب، خرج المفتي حسن خالد ليقول إن لبنان ليس محافظة سورية، وإن الشراكة لا تُدار بالدبابات، وإن البلد الذي يُحكم بالقوة سيتحوّل إلى مقبرة جماعية مؤجلة.
حين عجزوا عن الرد على الفكرة
ثم انفجرت السيارة… هكذا ببساطة. في الشرق، حين يعجزون عن الرد على الفكرة، يقتلون صاحبها.
اليوم، بعد كل هذه العقود، يبدو المشهد كأنه يُعاد بنسخة أكثر خطورة. فالمنطقة كلها تتحرك فوق حافة اشتعال هائل، وواشنطن تفاوض طهران على إيقاع النار، فيما تضرب إسرائيل الجنوب بينما تُدار مفاوضات الهدنة بعد فشل ما يُسمّى “الميدان”.
لبنان بين خرائط النفوذ وصفقات الخارج
لبنان يُدفع مرة جديدة إلى طاولة ترتسم فوقها خرائط النفوذ لا خرائط الدولة. الحديث الأميركي عن “ترتيبات أمنية” في الجنوب يتقاطع مع ضغوط لنزع سلاح حزب الله، فيما تتعامل إيران مع لبنان كأحد خطوط دفاعها الإقليمية لا كدولة مستقلة.
أما سوريا اليوم، فهي غارقة في زلازلها السياسية والأمنية والاقتصادية، تحاول لملمة جراح حرب طويلة أنهكت الدولة والمجتمع معاً.
لكن رغم تغيّر المشهد السوري وتبدّل الأولويات، بقي لبنان يدفع حتى الآن ثمن العقود التي حُكم فيها بمنطق الوصاية والخوف والأجهزة، وكأن آثار تلك المرحلة لم تغادر جسده السياسي حتى بعد تغيّر الزمن والوجوه.
الفكرة التي ما زالت تُخيف الجميع
المفتي حسن خالد لم يكن ضد سوريا كدولة، بل ضد تحويل لبنان إلى ساحة تابعة. وهذه بالضبط العقدة التي ما زالت تحكم حاضر المنطقة. فإيران تريد لبنان جبهة متقدمة وشماعة لمصالحها، وإسرائيل تريد لبنان منزوع القدرة، وأميركا تريد استقراراً يحمي حدود إسرائيل أولاً، أما اللبناني نفسه، فصار آخر من يُسأل عن لبنان.
الأخطر أن منطق الاغتيال نفسه لم يتغير. كل شخصية رفعت سقف السيادة دفعت الثمن بطريقة ما: مرة بالتفجير، مرة بالتخوين، مرة بالعزل، ومرة بتحويلها إلى هدف مفتوح.
كأن هناك قانوناً غير مكتوب في هذا الشرق: ممنوع على لبنان أن يمتلك صوتاً حراً إذا تعارض مع مصالح المحاور.
مسلسل الاغتيالات المفتوح
لهذا يبدو اغتيال حسن خالد اليوم أكثر من ذكرى، بل كأنه بداية مسلسل لم ينتهِ بعد. مسلسل يقول إن المشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص، بل في الفكرة نفسها: فكرة أن يكون للبنان قرار لا يُكتب في دمشق ولا طهران ولا تل أبيب ولا واشنطن.
حتى الآن، كل من حاول رسم لبنان على قياسه انتهى إلى الحطام. النظام السوري دخل لبنان كإمبراطورية أمنية وخرج تحت ضغط الدم والشارع والتاريخ، وسقط سقوطاً مدوياً ومخزياً بعدما نكّل بشعبه وأذاقهم كل أنواع القهر والويلات والإجرام.
إسرائيل اجتاحت العاصمة ثم اكتشفت أن القوة العسكرية لا تصنع وطناً تابعاً، وإيران تمددت حتى صار نفوذها عبئاً على لبنان وعلى حلفائها معاً، والولايات المتحدة نفسها تتعامل مع الملف اللبناني كملحق ضمن صفقات أكبر في المنطقة، لا كقضية شعب يُترك وحيداً بين النار والجوع.
دولة الرعب المستمرة
لكن المأساة الحقيقية ليست هنا. المأساة أن اللبنانيين صاروا يتعايشون مع فكرة أن الاغتيال تفصيل عادي في الحياة السياسية.
أن يُقتل مفتي جمهورية، أو رئيس حكومة، أو صحافي، أو مفكر، ثم يكمل البلد يومه التالي كأن شيئاً لم يكن… هذه ليست دولة، بل أرض تعيش تحت إدارة الرعب منذ عقود.
لهذا بقيت كلمات حسن خالد حيّة أكثر من قاتليه، لأن الرجل لم يكن يدافع عن طائفة، بل عن فكرة لبنان نفسها: بلد لا يبتلعه جيش، ولا حزب، ولا مخابرات، ولا عقيدة عابرة للحدود. بلد لا يُحكم بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا يُطلب فيه من الناس أن يختاروا بين الاحتلال والفوضى، بين الخوف والجوع، بين الصمت والقبر.
لهذا قتلوه… ولهذا أيضاً، ما زالوا حتى اليوم يخافون من صوته أكثر مما يخافون من أي سلاح.

