من الموت العبثي إلى الخلود القيميّ

عندما ندخل في الحديث عن الشهداء، تنخفض أصواتنا وتصل حدود الهمس، وتتهدّج أوتار حناجرنا، وكأننا في سكون عظيم مقدّس داخل معابد آلهة الكون المترامي الأطراف، لأن الاستشهاد نقلة نوعيّة من الارتهان للموت العبثي نحو الخلود القيميّ، متى كان هذا الاستشهاد في سبيل قضية قومية ووطنية، تساوي وجود الإنسان نفسه.

في مشاهد الحشد الجماهيري الكبير، والمتكرر على حدود فلسطين المصطنعة، التي كان آخرها يوم ذكرى النكسة وما بعدها، يتجسّد عشق الشهادة في من نالوا شرف الترجِّل عن صهوات جيادهم، ناثرين فوح دمائهم عند السياج الشائك، الذي يفصل بين الحق القومي في أرض فلسطين، وباطل الاحتلال المجرم المستند إلى نصوص تلمودية كافرة، التي حاول أتباعها، بغير وجه حق، وضعها في موضع العقائد التوحيدية الصحيحة، من خلال إضفاء منطق الزيف الصهيوني عليها، تلك المعتقدات المتحجّرة والخبيثة، التي لم تكن يوماً، ولن تكون أبداً، منظومة قيم أخلاقية وعقائدية حقيقية ثابتة، حتى ولو قدمت للعالم أجمع في أروع منطق، لأن جوهرها المخادع، يخرجها من الخير والشأن العام، إلى الشأن الخاص المتقوقع ضمن أكاذيب الصهيونية المجرمة ومثالبها.

إن التجمّع الجماهيري الكبير، الذي بدأت طلائعه بالتواجد، عند «حدود» الاحتلال والتقسيم، من جنوب لبنان إلى الجولان والى غزة، يتعاظم يوماً بعد يوم، ويشعل في هشيم «الأنظمة المعتدلة» وانفلاشها وفراغها، ناراً ستحرق بسعيرها كل الأكاذيب الأميركية، وغير الأميركية، التي تدّعي الحرص على الحريات والديمقراطية، وتدعم في الوقت ذاته أنظمة القمع في مجمل الأنظمة الحليفة لها، وتتعامى عن استشهاد المتظاهرين سلمياً، والمطالبين بأرضهم السليبة، وتشرّع للصهاينة المغتصبين، في سياق مسرحي كاذب باسم القانون «حق الدفاع المشروع عن النفس» ورفض عودة الفلسطينيين إلى أرضهم ومنازلهم، خدمة «لدولة إسرائيل» التي لم تكن لتولد أو تستقر، لولا فساد الأخلاق، وموت الضمير، وانعدام الحسّ الوطني والقومي، عند المدّعين أنهم ذوو قربى وشركاء في هذا العالم العربي، الذي ابتلي بأمثالهم من الحكّام الفاسدين والمتآمرين.

إن ما نشهده من مسيرات العودة على طول الحواجز الشائكة، لن يتوقف أبداً، وقد يأخذ منحى تصاعدياً، وبأشكال مختلفة، في الأيام المقبلة، بعد أن تكسَّر حاجز الخوف عند أقدام الشهداء مرة ثانية في مرتفعات الجولان، وتحت رايات المتظاهرين، الذين قابلوا بصدورهم، رصاص الاحتلال «الإسرائيلي» ولم يكن في جعبهم، إلا إيمانهم الثابت بأحقية قضيتهم بالعودة إلى ديارهم، وفي نفوسهم العامرة ثقة مطلقة بأن دماءهم الزكية، التي تراق على حدود الوطن المصطنعة وسياجه الشائك، لن تذهب هدراً، وستكون حافزاً قوياً للاستمرار في إيقاظ الهمم وفولذة الإرادات الحية، التي ما زالت تؤمن بأن المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير الأرض وطرد المغتصبين، وهي وسيلة مشروعة أيضاً لإذلال من يساندهم ويؤمّن الدعم لهم، سواء أكان من خلال الإعلام المفبرك والكاذب، أو من خلال السكوت عمّا يجري من مذابح وإجرام، بحق من يدافع عن الحرية والاستقلال والعدالة، وبحق الذين ما زالوا يؤمنون، أن الأوطان والمقدسات لا تباع ولا تشترى.

السابق
الشرق: رفضوا قرار “الدستوري” في 2005 ويشرعون لانفسهم اليوم
التالي
لقاء حواري “التربية والعيش المشترك”