في لحظة لبنانية مشبعة بالضجيج، يسهل على المراقب السطحي أن يخلط بين الأصوات المرتفعة والوقائع الفعلية،لكن ما يجري اليوم أعمق بكثير من سجال حول تفاوض أو خلاف على صلاحيات.
نحن أمام إعادة توزيع صامتة للسلطة، والرئيس نبيه بري يقرأها جيدا وربما أكثر من الجميع.
بري ليس سياسياً عادياً حتى يُخطئ في تقدير الاتجاه،هو ابن نظام عرف كيف يُبقي نفسه في قلبه لا على هامشه، عبر وظيفة واحدة،أن يكون المعبر الإجباري بين المتخاصمين.
المسألة لا تبدأ من الحرب، بل مما بعدها،حين قررت السلطة التنفيذية، بوجهيها، أن تفاوض مباشرة
لم يكن الأقوى عسكرياً ولا الأكثر شعبية، لكنه كان دائماً الأكثر ضرورة،هذه (الضرورة)تحديداً هي ما يتآكل اليوم.
المسألة لا تبدأ من الحرب، بل مما بعدها،حين قررت السلطة التنفيذية، بوجهيها، أن تفاوض مباشرة، فهي لم تسحب ورقة من يد بري فقط، بل سحبت تعريفاً كاملاً لدوره،لأن التفاوض بالنسبة له ليس ملفا بل هوية سياسية.
هو اللغة التي يتقنها ليبرر وجوده داخل معادلة لا تقوم على منطق الدولة بقدر ما تقوم على توازن الرعاة.
هنا يحصل الانزلاق الخفي،الرئيس بري لا يعارض التفاوض، بل يعارض أن يصبح (خارج الحاجة).
ولأن المواجهة مع الخارج مكلفة، ينقل الاشتباك إلى الداخل حيث يملك أدواته،لا يرفع السقف إلى حد القطيعة بل إلى حد الإرباك،لا يكسر الطاولة، بل يهزّها بما يكفي ليُذكّر الآخرين أنه لا يمكن تثبيتها من دونه. هو لا يدير عرقلة بالمعنى التقليدي، بل يدير نقص متعمد في الاستقرار.
لأن المواجهة مع الخارج مكلفة، ينقل الاشتباك إلى الداخل حيث يملك أدواته
حين يُطرح لقاء ثلاثي ويُرفض، لا يكون الخلاف دستورياً فقط،الرفض هنا يعيد رسم من يملك حق إنتاج التسوية وحين يصرّ بري على صيغ يعرف مسبقاً أنها مرفوضة، فهو لا يفاوض عليها فعلياً، بل يستخدمها كأداة قياس:(من يحتاجه، ومن يستطيع تجاوزه). حتى الصمت أحياناً يصبح رسالة، وأحياناً أخرى يصبح ضوءاً أخضر لفوضى مضبوطة.
المشهد الشعبي الذي انفجر امس في وجه ممثل رئيس الحكومة اثناء التشييع في صور وهي المدينة الاساس للرئيس بري ،ليس معزولاً،في لبنان، الشارع نادرا ما يتحرك شارع بلا مظلة، وبري يعرف كيف تُترك المظلات نصف مفتوحة،لا حماية كاملة ولا انكشاف كامل.
هكذا يُعاد توجيه الغضب من قرار الحرب إلى نتائجها، ومن الفاعل إلى من يحاول إعادة الإمساك بالدولة،إنها عملية إعادة تعريف للخصم، لا مجرد رد فعل عاطفي.
الأهم أن بري لا يلعب ضد الوقت بل معه،هو يدرك أن أي مسار تفاوضي يحتاج إلى ترجمة داخلية، وهذه الترجمة تمرّ حكماً بمجلس يترأسه، وبشبكة علاقات نسجها على مدى عقود.
الخط الذي يقوده سلام يتعامل مع المسألة من زاوية مختلفة: تقليص الوسائط لرفع كلفة التعطيل
لذلك لا يسعى إلى تعطيل المسار، بل إلى تأكيد أن نهايته تمرّ عبره،الفارق دقيق لكنه حاسم(من يعطل يُستبدل، أما من يؤخر فيُستدعى)
في المقابل، الخط الذي يقوده الرئيس نواف سلام يتعامل مع المسألة من زاوية مختلفة، تقليص الوسائط لرفع كلفة التعطيل وهذا ما يفسر التشدد تجاه أي صيغة تعيد إنتاج (الشريك الإلزامي)،هنا تحديداً يتقاطع البعد السياسي مع البعد الشخصي ف بري يرى في ذلك انتزاعاً تدريجياً لقدرته على الفعل، وسلام يرى فيه شرطاً لقيام أي مسار مختلف.
وسط هذا الاشتباك، يختار الرئيس بري منطقة رمادية محسوبة،لا مواجهة مباشرة مع الخارج كي لا يُستهدف، ولا تسليم داخلي كي لا يُهمَّش،يرفع السقف بما يكفي لتحصيل ثمن، ويخفضه بما يكفي لتفادي الكسر،(هذه ليست ازدواجية، بل تقنية بقاء).
كل ما يبدو (حركشة) سواء حادثة ساقية الجنزير او الأمس هو في الواقع لغة رجل
في النهاية، لا يدور الصراع حول من يفاوض، بل حول من يظل ضرورياً بعد أن ينتهي التفاوض،وبري، بخبرته، يعرف أن أخطر لحظة على أي لاعب ليست لحظة الهزيمة، بل لحظة تحوّله إلى تفصيل يمكن الاستغناء عنه.
لذلك، كل ما يبدو (حركشة) سواء حادثة ساقية الجنزير او الأمس ، هو في الواقع لغة رجل يحاول أن يقول للمعادلة الجديدة(قد تتغير الأدوار… لكن لا يمكن شطب المخرج من المسرح.

