يعني وقف إطلاق النار، بالنسبة للعالم، نفطاً أرخص وتعويض خسائر أسواق الأسهم. أما بالنسبة لإيران، فهو لحظة تُفتح فيها دفعة واحدة أزمة مجمّدة منذ 40 يوماً: بورصة ستُفتح من دون كبار اللاعبين فيها، ودولار أصبح سعره قبل الحرب بلا معنى، وتضخم كانت الحرب قد خنقت صوته مؤقتاً.
وشكّل وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران بالنسبة لواشنطن، ومِن ثمّ للاقتصاد العالمي، متنفساً مؤقتاً. فمنذ الإعلان عنه، انخفضت أسعار النفط، ومع استمرار التذبذب في أسواق الطاقة، تراجع خطر انقطاع الإمدادات بشكل حاد.
ونظرياً، من المفترض أن يُعاد فتح مضيق هرمز. وحتى لو كان ذلك مؤقتاً، فإنه يُعد إنجازاً مهماً للأسواق العالمية، ليس فقط للطاقة، بل أيضاً لسلاسل توريد المواد الأساسية، ومنها مدخلات إنتاج نحو نصف الأسمدة الكيميائية في العالم.
ولذلك، فإن فترة أسبوعين في شهر أبريل (نيسان)، وهي فترة حاسمة للزراعة، يمكن أن تكون مهمة لاستقرار سلاسل الإمداد الموسمية. وبعد إعلان وقف إطلاق النار، ارتفعت أسواق الأسهم العالمية وعوّضت جزءاً من خسائر الـ 40 يوماً الماضية، وفي بعض الحالات عادت إلى المنطقة الإيجابية.
ولكن داخل إيران، فالصورة أكثر تعقيداً بكثير.
الاقتصاد الإيراني
إن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، خصوصاً إذا كان مؤقتاً ودون تغييرات هيكلية، قد يشكّل خطراً أكثر من كونه فرصة. فالحرب جمّدت الأزمات الاقتصادية فعلياً، وأغلقت الأسواق، وأوقفت عملية اكتشاف الأسعار. والآن، مع وقف إطلاق النار، يتعين على صنّاع القرار التعامل مع واقع أسوأ بكثير مما كان قبل الحرب.
وظلت بورصة طهران مغلقة لمدة 40 يوماً بشكل غير مسبوق. وخلال هذه الفترة لم يُحدَّد سعر صرف الدولار رسمياً. وآخر سعر قبل الحرب كان في حدود 160 ألف تومان، لكن هذا الرقم لا يعكس الواقع الحالي.
تدمير صناعي
خلال الحرب، تعرضت البنية التحتية الاستراتيجية في إيران لهجمات، وتضررت البنية الصناعية. في هجمات على مدينتي “معشور” و”عسلويه”، تضررت نحو 85 في المائة من قدرة تصدير البتروكيماويات. وبما أن هذه القطاعات تغذي صناعات مثل البلاستيك والسيارات والبناء، فإن حجم الاضطراب في سلاسل الإنتاج ما زال غير واضح، وكذلك تكلفة ومدة إعادة الإعمار.
وقال رئيس هيئة الأوراق المالية في طهران إن الشركات المتضررة ستعود للتداول بتأخير. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الشركات الكبرى قد يبقى خارج السوق، حتى بعد إعادة فتح البورصة. كما أن استمرار الإغلاق يهدد بفقدان الثقة، بينما إعادة الفتح دون الشركات المصدّرة قد يؤدي إلى ضغط بيع كبير.
التضخم
التضخم هو الأزمة الأكثر إلحاحاً. قبل الحرب، تجاوز التضخم السنوي 70 في المائة، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية. تضخم الغذاء وصل إلى ثلاث خانات؛ إذ ارتفعت أسعار المواد الأساسية مثل الخبز والحبوب بنسبة 140 في المائة، والزيوت بأكثر من 200 في المائة. في المقابل، لم ترتفع الأجور إلا وفق المعدلات الرسمية، ما أدى إلى تراجع حاد في القوة الشرائية.
وخففت الحرب مؤقتاً من هذه الضغوط عبر خفض الطلب وتجميد النشاط الاقتصادي. لكن مع وقف إطلاق النار، يُتوقع عودة الطلب المكبوت.
أزمة مالية
كان عجز الموازنة قائماً قبل الحرب، ثم زادت الحرب من تكاليف الإنفاق العسكري وإعادة الإعمار دون مصادر دخل إضافية. كما أن زيادة الضرائب بنسبة 65 في المائة في الميزانية ستثقل كاهل المواطنين، في وقت يعاني فيه جزء كبير من القوى العاملة البطالة أو ضعف الأجور.
كما تضرر النظام المالي المرتبط بدبي، التي كانت مركزاً رئيسياً للتجارة وتحويل الأموال، بعد إجراءات إماراتية ضد شبكات مرتبطة بالحرس الثوري. ورغم وجود بدائل مثل هرات وأربيل، إلا أنها أقل كفاءة، ما قد يزيد تقلبات العملة.
وقف إطلاق نار “هش”
وقف إطلاق النار الحالي هش، وقد تم خرقه عدة مرات في أول 24 ساعة. كما أن المفاوضات لا تقتصر على إيران والولايات المتحدة، بل تشمل إسرائيل والدول الخليجية والصين.
وباتت الصناعات التي كانت توفر العملة الصعبة تحتاج الآن إلى تمويل لإعادة الإعمار. وحتى في أفضل السيناريوهات الدبلوماسية، لن تتوفر الموارد التقنية والمالية اللازمة بسرعة. ومع استمرار مخاطر عودة الحرب، لن تحدث استثمارات طويلة الأجل.
وفي النهاية، ما قد يكون فرصة للعالم، هو بالنسبة لإيران بداية أزمة أعمق: عودة التضخم، انهيار العملة، وضغط اقتصادي أكبر في ظل غياب أدوات الدولة للتدخل.

