الحرب تتسع اقليميا.. والغارات الإسرائيلية تستهدف بيروت وتحصد قيادات ومدنيين..

في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، بدا المشهد الداخلي محكومًا بتقاطع ثلاثة مسارات متوازية: تصعيد سياسي داخلي غير مسبوق ضد “حزب الله” من داخل السلطة التنفيذية، وتصعيد ميداني إسرائيلي واسع يطال الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، واتساع رقعة الحرب الإقليمية مع دخول العامل الأميركي–الإيراني مرحلة أكثر خطورة. وفي هذا السياق، جاءت مواقف وزير العدل عادل نصّار لتشكّل حدثًا سياسيًا بحدّ ذاته، بعدما وضع الحزب بوضوح في خانة “الأداة العاملة لخدمة الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية”، معتبرًا أن ما سُمّي بـ”المقاومة” فقد مبرّره منذ عام 2000، وأن الحزب منذ ذلك التاريخ لم يعد يخوض معركة تحرير، بل صادر قرار الحرب والسلم وعطّل الدبلوماسية اللبنانية.

نصّار: معركة بين الدولة والمنظومة المسلحة

أهمية كلام نصّار لا تكمن فقط في حدّته السياسية، بل في كونه يصدر عن وزير عدل داخل حكومة قائمة، ما يمنحه بعدًا تأسيسيًا في توصيف الأزمة اللبنانية الراهنة. فالوزير حرص على نفي أي طابع مذهبي للصراع، رافضًا تحويل المواجهة إلى اشتباك طائفي، ومؤكدًا أن المعركة الحقيقية هي بين الدولة اللبنانية الساعية لاستعادة قرارها، وبين منظومة مسلحة ترفض الخضوع لسلطة المؤسسات.

وفي موقف لافت، نسف نصّار مقولة “البيئة الحاضنة”، معتبرًا أن الحزب لا يختصر طائفة ولا يمثّل جماعة دينية، بل يمتلك جمهورًا سياسيًا، في محاولة واضحة لفصل الشيعة اللبنانيين عن وظيفة السلاح الإيراني في لبنان. كما أشار إلى أن البيان الوزاري الحالي كسر للمرة الأولى نمط البيانات الرمادية التي وفّرت غطاءً ضمنيًا لسلاح خارج الشرعية، واضعًا بذلك الحكومة أمام اختبار فعلي: هل تتحوّل النصوص إلى مسار تنفيذي أم تبقى مجرّد إعلان نوايا؟

الضاحية تحت النار… والرسائل الإسرائيلية تتجاوز الاغتيال

ميدانيًا، حملت غارات ليل أمس على منطقة الجناح في الضاحية الجنوبية رسالة إسرائيلية مزدوجة: ضرب البنية القيادية للحزب داخل عمقه الأمني، وتوسيع بنك الأهداف في قلب بيروت الكبرى. وقد أفادت المعلومات عن مقتل قائد جبهة الجنوب في “حزب الله” يوسف هاشم، فيما أدّت غارة خلدة إلى مقتل محمد باقر نابلسي، نجل المذيع في “المنار” بهاء نابلسي، وابن شقيق محمد عفيف نابلسي، المسؤول الإعلامي في الحزب الذي اغتالته إسرائيل العام الماضي.

وفي الحصيلة الأولية، أعلنت وزارة الصحة سقوط خمسة شهداء و21 جريحًا في غارة الجناح، ما يعكس أن الضربات لم تعد ذات طابع أمني صرف، بل باتت تحمل أيضًا أثرًا مدنيًا ضاغطًا يراد منه تعميق الكلفة الداخلية للحرب على الحزب وبيئته الاجتماعية.

الجنوب والبقاع: حرب استنزاف مفتوحة

على امتداد الجنوب والبقاع، تواصلت الغارات الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، من بنت جبيل والرمادية وكونين والصوانة ووادي جيلو، إلى سحمر ومشغرة في البقاع الغربي. المشهد الميداني يؤشر إلى انتقال إسرائيل من نمط الردع الموضعي إلى إدارة حرب استنزاف مركّزة، تستهدف الحركة والتموضع والبنية اللوجستية، مع إبقاء الضغط النفسي على المدنيين عبر القصف المتكرر وخرق جدار الصوت وتفجير المنازل وقطع الكهرباء.

في المقابل، واصل “حزب الله” إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو قواعد ومستوطنات إسرائيلية، من كريات شمونة إلى ميرون ونهاريا ومعالوت وشلومي، معلنًا أيضًا إسقاط طائرة مسيّرة إسرائيلية. إلا أن هذا الرد، رغم كثافته، لا يغيّر في ميزان الصورة العامة: الحزب يثبت قدرته على الإيذاء، لكنه لا يملك حتى الآن قدرة كسر المسار التصاعدي الإسرائيلي أو فرض معادلة ردع جديدة.

قطر تشدّد وترامب يربط التهدئة بهرمز

إقليميًا، اكتسبت الحرب بعدًا إضافيًا مع إعلان قطر تعليق تأشيرة الدخول عند الوصول للبنانيين، في خطوة تعكس مناخًا احترازيًا خليجيًا متصاعدًا حيال التداعيات الأمنية للحرب. أما الأخطر، فتمثّل في إعلان دونالد ترامب أن القيادة الإيرانية الجديدة طلبت وقفًا لإطلاق النار، رابطًا أي تهدئة بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان أمن الملاحة، فيما تحدّثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أوسع رشقات صاروخية إيرانية على تل أبيب منذ أسابيع.

الخلاصة السياسية أن لبنان لم يعد ساحة متأثرة بالحرب فقط، بل صار أحد مسارحها المباشرة. وبين خطاب رسمي بدأ يسمّي الأشياء بأسمائها، وميدان يزداد اشتعالًا، يتكرّس السؤال الكبير: هل تبدأ الدولة فعلًا معركة استعادة قرارها، أم أن النار الإقليمية ستسبقها إلى إعادة رسم لبنان بالقوة؟

السابق
ليلة دمويّة: بيروت والجنوب تحت القصف الإسرائيلي
التالي
إيران تطلق أكبر دفعة صواريخ على إسرائيل منذ بدء الحرب