طهران تُسقط مهلة بيروت..السفير الايراني عنوان صمود «الوصاية»

لم تعد المسألة في لبنان مجرّد خلاف دبلوماسي حول سفير أجنبي انتهت مهلة مغادرته وبقي في مكانه. ما جرى أخطر من ذلك بكثير. نحن أمام مشهد سياسي فاضح: دولة لبنانية تُعلن قراراً سيادياً، ثم تأتي طهران لتقول لها، بوقاحة كاملة، إن قرارها لا يساوي شيئاً. وزارة الخارجية اللبنانية سحبت اعتماد السفير الإيراني، وحددت له مهلة للمغادرة، لكن المهلة انتهت، فيما خرجت إيران رسمياً لتعلن أن سفيرها باقٍ في بيروت، ولن يغادر.

القرار سُحب… والدولة سُحبت معه

في أي دولة طبيعية، سحب اعتماد سفير أجنبي يعني نهاية مهمته. في أي دولة تحترم نفسها، لا يتحول قرار من هذا النوع إلى مادة للسخرية العلنية. أما في لبنان، فالمشهد انقلب إلى فضيحة سيادية مكتملة الأركان: الدولة تقول “غادر”، وإيران تقول “لن يغادر”، ثم يبقى السفير حيث هو، كأن شيئاً لم يكن.

هذه ليست أزمة بروتوكول، ولا تفصيلاً في العلاقات الدبلوماسية، ولا سوء تفاهم بين وزارتين. هذه لحظة سياسية كاشفة، تُظهر بوضوح أن السلطة اللبنانية تستطيع إصدار القرار، لكنها لا تستطيع فرضه. تستطيع التلويح بالسيادة، لكنها تعجز عن ترجمتها إلى فعل. وهذا هو جوهر الانهيار الحقيقي: دولة تكتب القرارات، وغيرُها ينفذ ما يناسبه منها.

إيران تهين الجمهورية

الأخطر في السلوك الإيراني أنه لم يأتِ بصيغة الالتباس أو المماطلة، بل بصيغة التحدي المباشر. لم تصمت طهران، ولم تبحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء وجه الدولة اللبنانية، بل أعلنت بوضوح أن سفيرها سيبقى في بيروت. كأنها تقول للبنانيين جميعاً ان دولتكم لا تُلزمنا، ومؤسساتكم لا تملك من أمرها شيئاً.

هذه ليست إهانة لوزارة الخارجية وحدها، بل إهانة للجمهورية اللبنانية بكل مؤسساتها. لأن المسألة لم تعد مرتبطة باسم السفير أو بتفاصيل الاعتماد، بل بمعنى الدولة نفسها. ماذا يبقى من هيبة الدولة إذا كان سفير دولة أجنبية يرفض المغادرة بعد سحب اعتماده، وتكتفي السلطة بالمشاهدة؟ ماذا يبقى من معنى السيادة إذا كانت طهران تتعامل مع بيروت كأنها مجرد ساحة، لا عاصمة ذات قرار؟

حزب الله في قلب المشهد

لا يمكن فصل هذا المشهد عن الحقيقة التي يهرب منها كثيرون، وهي ان الوصاية الإيرانية على لبنان لا تمرّ عبر السفارة فقط، بل عبر “حزب الله” بوصفه الذراع المحلية الأقوى لطهران. ولذلك فإن بقاء السفير ليس مجرد تعنّت إيراني، بل ترجمة عملية لواقع سياسي قائم منذ سنوات وهو القرار اللبناني يصطدم دائماً بالسقف الذي يرسمه الحزب، لا بالسقف الذي ترسمه المؤسسات.

إن بقاء السفير الإيراني بعد انتهاء المهلة ليس فقط إحراجاً لوزارة الخارجية، بل هو أيضاً كشف فاضح لموقع “حزب الله” داخل المعادلة اللبنانية: شريك في السلطة حين تفيده الدولة، وحاجز أمامها حين تحاول أن تستعيد نفسها.

إسرائيل تحصد مجاناً من عجز لبنان

وكأن هذا المشهد الداخلي المذلّ لا يكفي، حتى تأتي إسرائيل لتستثمره إلى الحد الأقصى. فتل أبيب لا تحتاج إلى كثير من الجهد كي تقول للعالم إن لبنان لا يحكم نفسه. يكفيها أن تشير إلى سفير إيراني يرفض المغادرة بعد سحب اعتماده، ليصبح خطابها أكثر قابلية للتسويق دولياً: لبنان دولة مخترقة، قرارها ليس في بيروت، والسلطة فيها عاجزة عن فرض أبسط مقتضيات السيادة.

وهنا تقع الكارثة السياسية الكاملة. إيران تُحرج لبنان من الداخل، وإسرائيل تستثمر هذا الإحراج في الخارج، والدولة اللبنانية تقف في المنتصف، عاجزة عن حماية هيبتها أمام الأولى، وعاجزة عن نزع الذريعة من يد الثانية.

في زمن الحرب، لا تُقاس الأخطاء بحجمها الشكلي، بل بنتائجها الاستراتيجية. وكل مشهد من هذا النوع يمنح إسرائيل ذخيرة إضافية لتبرير اعتداءاتها، وادعاء أن لبنان ليس سوى ساحة إيرانية مفتوحة.

السيادة لا تُعلن… بل تُفرض

الدرس الذي يجب أن يُقال بوضوح، ومن دون مواربة، هو أن السيادة لا تُقاس بالخطب، ولا بالبيانات، ولا بالعبارات العالية النبرة. السيادة تُقاس بلحظة التنفيذ. والدولة التي تعجز عن تنفيذ قرار دبلوماسي واضح، لا يمكنها أن تقنع أحداً بأنها قادرة على تنفيذ قرارات أكبر تتصل بالحرب والسلم والحدود والسلاح.

السؤال الذي لا مفرّ منه

بعد اليوم، لا يكفي أن نسأل: هل غادر السفير الإيراني أم لم يغادر؟

السؤال الحقيقي هو: من الذي يُغادر فعلاً في كل مرة؟ السفير… أم الدولة؟

لأن ما حدث ليس مجرد تحدٍّ لقرار إداري، بل إسقاط مدوٍّ لما تبقّى من هيبة السلطة اللبنانية. وإذا لم يتحول هذا الملف إلى لحظة مواجهة حقيقية مع منطق الوصاية والاختراق، فإن كل حديث لاحق عن “استعادة الدولة” لن يكون أكثر من بلاغة فارغة في بلدٍ تُكتب فيه القرارات في بيروت… وتُلغى في طهران.

السابق
إيران تتحدّى قرار سحب الاعتماد: سفيرنا باقٍ في بيروت!
التالي
ترامب يقول إنه يتفاوض مع «نظام جديد» في إيران: سنفجّر الكهرباء والنفط وجزيرة خارك