لماذا ترك أحمد قعبور هذا الأثر الكبير في شخصيتي؟

لم يخطئ الخصم السياسي حين قال أحدهم، في رسالة تهديد، وسمّانا “الأحمدين”: “قَرُبَ أجلكم”، وذلك بعد ذهابنا إلى ساحات ثوار 17 تشرين، من طرابلس مرورًا ببعلبك وصولًا إلى ساحة النبطية.

يومها قال أحمد قعبور: “أحببتُ التسمية، وأعتبر أنه للمرة الأولى يبدعون بشيء مفيد”.

قلت له: أحيانًا يطلقون التسميات، وفي النهاية يندمون عليها. قبلها سمّونا “شيعة السفارات”، ثم صار الاسم نفسه يحمل إعلامًا وشهرة وجمهورًا. إنهم فعلًا يفعلون الأشياء من دون أن يدركوا نتائجها، ثم يندمون بعدها، كمن يقول: “لو كنت أعلم”.

من الأغنية إلى الصداقة

كنت شابًا يافعًا، تعرّفت إلى أحمد قعبور بالصوت، من خلال أغانيه: “أناديكم”، و**”يا نبض الضفة”، و”اسمه نبيل”**.

لم أكن أفكّر يومًا أننا سنصبح أصدقاء عن قرب، نلتقي، نفكّر معًا، يسمعني وأسمعه. لم أدرك أن يومًا سيأتي فنصل إلى هذه الدرجة من الالتحام والانسجام.

كنت أعتقد أن أحمد قعبور، كغيره، صعب الوصول إليه، أو أنه يعيش في قصر عاجي، أو ينتمي إلى طبقة مخملية، يعرفه الناس، لكنه لا يعرفهم إلا من خلال ترداد أغانيه.

لكنني عرفته من دون كل هذه المفاهيم. وجدت نفسي مخطئًا كثيرًا.

أحمد قعبور كان يعرفني كما أعرفه، حتى من دون لقاء شخصي. وكان أول لقاء بيننا في مناسبة ما بعد خروجي من المعتقل. يومها جاء هو نحوي وقال: “كيفك أبو حميد؟” وغمرني. شعرت يومها بفرحة لا توصف.

ثم قال لي: “بدنا نقعد ونحكي، هذا رقمي”.

ومن هناك بدأت العلاقة، وبدأت الروابط الشخصية الفريدة.

أحمد قعبور الإنسان قبل الفنان

بدأت هذه العلاقة الشخصية الخاصة، فوجدت فيه ما كنت أطمح إليه.

كنت أعرف قعبور الفنان من أغانيه التي ألهمتني، حتى وأنا أقاوم عدوي، وحتى في سجني، حين كنت أستمع إلى أغانيه مع رفاق لنا من الشعب الفلسطيني، الذي يحبه ويعشقه، كعشقهم لأبي عمار.

لكنني، في الحقيقة، تعرّفت مع أحمد قعبور إلى الإنسان.

تعرّفت إلى مكنوناته الداخلية، إلى تفاصيل يومياته، إلى أدقّ أفكار عقله. تعرّفت إلى عاطفته، وحنانه، وتواضعه الكبير.

وتعرّفت إلى كيف أصبحت القضايا الوطنية والقومية والإنسانية جزءًا أصيلًا من تكوينه.

كان يقول لي:

“أنا لا أغني أغاني وطنية موسمية، أنا أغني موقفًا سياسيًا واجتماعيًا، وأغني للحب وللجمال، وللبعد الفكري الإنساني. في أغانيّ أقاوم المحتل والغازي والظلم، أيًّا كان مصدره. أغني للحرية وللعدالة.”

في الساحات… كان بين الناس وللناس

توطدت العلاقة بيني وبين أحمد قعبور في انتفاضة 14 آذار،

لكن أكثر ما توثّقت في ثورة 17 تشرين، حين ناقشنا معًا: ماذا يفعل أحمد قعبور، الإنسان والمناضل، في الساحات؟

بدأت مسيرة أحمد في كل الساحات، من الشمال إلى بيروت إلى الجنوب. كان يعطي كل وقته للثوار، حضوريًا وفنيًا.

وكنت معه في كل الساحات، أرافقه.

وفي هذه التجربة، عرفته على الأرض أكثر: كم كان ملتصقًا بالناس. وعرفت، في المقابل، كم تحبه الناس، وكم تدرك إنسانيته وفنه. هو من الناس، وغنّى للناس.

وكم أدركت يومها صلابته في مواقفه، التي لا يساوم عليها.

النبطية… امتحان الموقف

حين ذهبنا إلى ساحة النبطية، اشترط عليه بعض من كانوا بين الثوار، وهم مندسون من قبل أجهزة الممانعة الحزبية، أنه إذا أراد القدوم إلى النبطية، فعليه ألّا يكون أحمد إسماعيل معه.

فقال لهم بوضوح:

“إن لم يأتِ أحمد إلى جانبي، فأنا أحمد لن آتي. ولا داعي أن أكون هنا. وإذا أنتم تريدون أحمد، فهل أترك من أعرفه لأجلكم؟ أنتم من…؟”

يومها قال لي أحمد قعبور:

“هؤلاء مدفوشون، ومن هنا الخوف على ثورة 17 تشرين.”

في حرب 2024… حتى التعب كان مقاومة

أحمد قعبور الإنسان، في حرب 2024، حين كنت أسأله: أين أنت؟

كان يقول:

“في الحمرا، أساعد الشباب والصبايا في مركز لمساعدة النازحين.”

وآخر مرة التقينا فيها كانت في أحد مقاهي بيروت.

أخبرني الكثير والكثير، مما ربما سيبقى في القلب.

لكنني عرفت، من خلال أحاديثه، أن مشوار أحمد الجسدي كان يقترب من نهايته. كان يتألم من مكنونات جسده المنهك، لكن فكره بقي نابضًا: أفكارًا، ومواقف، وقصائد، وموسيقى، وأغاني للحاضر، ولمستقبل قد نلجأ إليه كلما احتجنا إلى معنويات في ظروف كالتي نعيشها اليوم.

“ما يحصل في الجنوب يشبه جسدي”

حين نزحت مجددًا إلى بيروت، اتصلت به.

قلت له:

“كيفك يا حبيبي أحمد؟ طمّني عنك.”

قال القعبور:

” ما زلت أقاوم هذا المرض اللعين، لكن بالنهاية سيقضي عليّ. وما يحصل في الجنوب يشبه جسدي… أكيد فهمت عليّ. وانتبه على حالك يا أبو حميد.”

في هذه الجملة، اختصرها أحمد قعبور، ولخّصها من دون عناء في التحليل.

يا صديقي الأحب على قلبي…

وداعًا.

السابق
«رجي» من الجامعة العربية: لبنان يرفض الانتهاكات الإيرانية ويتمسك بالدعم العربي لتعزيز سيادته
التالي
غارات وقصف مدفعي على حبوش و شقرا ودبين وكفرا وعدشيت القصير