“مات الملك، عاش الملك”، هذه العبارة الشهيرة التي تُنسب للفرنسيين أيام الحكم الملكي، والتي أتت كدلالة على استمرارية الحكم والدولة، هي اليوم لسان حال النظام الإيراني وأنصاره – ولا أقول كل إيران -، بالرغم من أن “الملك” هنا يعتمر عمامة سوداء وليس تاجاً كما حال كل الملوك ومنهم الشاه السابق.
جدير بالذكر هنا أن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كان قد أطلق على الإمام آية الله الخميني – وذلك في سياق حربهما في الثمانينيات – لقب “شاه معمّم” للدلالة على استمرارية الخميني في سياسة العداء للعرب التي كان يتَّبعها الشاه السابق، والتي أثبتت الأيام صحتها. إلا أن يومها لم يكن أحد ليتخيَّل أن هذه العبارة ستكون كذلك سمة لحكم الملالي ولو بعد 47 عاماً من “ثورتهم”، بحيث يرث مجتبى خامنئي والده “الولي الفقيه”، لتدخل إيران بذلك حقبة “الملكية الدينية” – إذا صح التعبير -، هي التي قامت ثورتها بهدف إنهاء الملكية وإقامة الجمهورية الإسلامية على أنقاضها، وذلك عبر تنصيبه متخطياً بذلك العشرات ربما من العلماء والفقهاء الأحق منه بهذا المنصب والذين تجتمع فيهم شروط ومواصفات “الولي الفقيه”.
شروط «الولي الفقيه» بين النص والواقع
ومن أهم هذه الشروط أن يكون فقيهاً جامعاً للشروط بحيث يكون قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها وليس مجرد عارف بها، وأن يتحلى بالعدالة والتقوى، كما الكفاءة الإدارية والشجاعة والقدرة على القيادة، وأن يكون عارفاً بظروف عصره وقادراً على مواجهة مختلف القضايا والمستجدات السياسية. وهي شروط بلا شك قد تنطبق على الكثير من العلماء الكبار والمسؤولين في النظام بأكثر مما تنطبق على مجتبى نفسه، ما يؤكد مرة أخرى بأن العامل الحاسم في الاختيار قد يكون سياسياً – أكثر منه دينياً – طبقاً لموازين القوى القائمة داخل النظام، خاصة في ظل الظروف التي تعيشها إيران اليوم.
الحرب وتسريع خيار التوريث
من هنا يمكن القول بأن الحرب الحالية والهجمات التي تتعرض لها إيران، والظروف المأساوية التي أحاطت بقتل المرشد علي خامنئي، قد تكون رجّحت هذا الخيار لأسباب عدة منها:
أولاً: تأكيد استمرارية النظام
محاولة التأكيد على استمرارية النظام وخياراته، على اعتبار أنه يُنظر للمرشد الجديد على أنه يمثل الجناح المتشدِّد في النظام. وهذا طبيعي في ظل نظام توتاليتاري ثيوقراطي يخوض حرباً مصيرية، همه الأول فيها هو الحفاظ على ديمومته.
ثانياً: الاستثمار في اسم خامنئي
محاولة الاستثمار – إذا صح التعبير – في اسم خامنئي كدليل على الاستمرارية، وهو ما أكده وألمح إليه أحد المسؤولين وذلك قبل الإعلان عن انتخاب مجتبى. وهذا الأمر ليس تفصيلاً بالنسبة لأتباع النظام ومؤيديه، إذ إن غالبية الإيرانيين لا تعرف زعيماً ومرشداً للبلاد إلا علي خامنئي – حتى أكثر من آية الله الخميني نفسه -، هو الذي تولى حكم البلاد كمرشد وولي فقيه طيلة 37 سنة، أي منذ العام 1989، وهذه قضية لها بُعد نفسي ومعنوي كبير لدى هؤلاء الأتباع والمريدين.
ثالثاً: تجنّب الانقسام داخل النظام
وقد يكون هذا السبب مرتبطاً ومكملاً للسببين الأول والثاني، من حيث محاولة تفادي أي مظهر من مظاهر الانقسام الداخلي والصراع على السلطة في ظل الظروف الخطيرة وغير الطبيعية التي يعيشها النظام. وهو انقسام وصراع لا شك أنه كان وسيظل موجوداً داخل أجنحة النظام، والذي كانت شخصية المرشد الراحل وسلطته تديره وتلجمه بحنكة ومقدرة تُحسب له. هذا الصراع الذي لم يكن ليمر مرور الكرام لو أن المرشد قضى بشكل طبيعي وفي ظروف طبيعية وليس اغتيالاً. من هنا كان الأفضل ولمصلحة النظام اختيار ما قد يمكن اعتباره “أهون الشرور” بدل أصعبها، وهو الانقسام وانفجار الصراع في ظروف غير ملائمة للنظام وللبلد ككل.
رابعاً: حسابات «اليوم التالي» للحرب
بالإضافة إلى الأسباب السابقة، قد يكون لانتخاب مجتبى خامنئي سبب رابع يتعلق باليوم التالي للحرب، إذا ما صمد النظام – ولو على ضعف – بحيث يصبح قابلاً للاحتواء، واتخذت الأمور منحى تفاوضياً جديداً. فمن أقدر من مجتبى خامنئي، بما يحمله من إرث، على “تجرّع السم” حينها؟ فقد علمتنا التجارب بأن المتطرفين المتشددين هم الأقدر دائماً على عقد التسويات.
الخارج يراقب: ترامب وإسرائيل
هذا في الداخل أما ردود فعل الخارج والمتمثل حصراً بأطراف الصراع مع إيران أي أميركا وإسرائيل ، فبينما أعلن دونالد ترامب عن ” عدم رضاه ” عن المرشد الجديد بإنتظار ما سيفعله، لم تتردد إسرائيل وبكل وقاحة وصفاقة في الإعلان عن أنها وضعته على لائحة التصفية، في الوقت الذي يشوب الغموض الموقف بالنسبة لمجتبى نفسه، إذ لم يُسجَّل أي ظهور له لا بالصورة ولا حتى بالصوت أقله لتوجيه رسالة للشعب بعد إنتخابه، الأمر الذي ترافق مع شائعات عن إصابته بجروح في الضربة الأولى التي أودت بوالده، ما يطرح السؤال عن مدى كل ما يحصل في الداخل الإيراني على مستوى القيادة، وما إذا كان شعار ” مات المرشد عاش المرشد ” سيصمد أمام التطورات وإلى متى بحيث يتوقف على إجابة هذا السؤال مصير دول وربما المنطقة بمجملها ومن ضمنها للأسف لبنان، الذي بدا جلياً في هذه الحرب كخط من خطوط الدفاع عن نظام الملالي، وذلك بعد أن سقطت آخر ورقة توت – وإسمها المقاومة – كان يتلطى خلفها حزب الله ويستعملها بإسم الدفاع عن لبنان، ليخفي تبعيته وإرتباطه العضوي على حساب وطنه وبيئته بهذا النظام الذي بات اليوم يلعب آخر أوراقه.
فهل يكون المرشد الجديد ورقته الرابحة .. فينجو ؟

