تراتيل النزوح القسري: يوميات الألم والأمل في رحلة التيه

النزوح

في غسق الوجد، حين ينكسر الضوء على مرايا الفجيعة، يمتدُّ الطريق خيطاً رفيعاً بين فناءٍ يطاردنا وبقاءٍ نطارده. نمشي، والأرض تحت أقدامنا لم تعد تراباً، بل صارت شظايا من حكايات ذبحتها النصال الباردة. هي “صيرورة” الألم في أبهى تجلياتها، حيث النزوح ليس انتقالاً من حيزٍ إلى حيز، بل هو انسلاخ الروح عن سكنها، وعبور قسري في برزخ التيه، حيث تمسي الأوطان حقائب مثقلة بالدمع، والبيوت مجرد ذكرى تئن تحت وطأة الركام.

موكب الصبر تحت نار الحرب

مع أولى أنفاس الفجر، ينبثق الموكب من رحم الظلام؛ طوابير طويلة من الصبر تمخر عباب الطريق، كأنها أنهار من الوجع تسيل نحو المجهول. تمشي، والأفق وراءك يشتعل بنيران الغدر، طائرات تنفث الموت بلؤم، تحصد البراءة ببرود آلي، وتدكّ جدران الصدور قبل جدران المنازل، ومعها تقتل كل خيوط الذاكرة. ومع كل دويّ، يسقط جزء من “نواميس” الاستقرار، وتتمزق المعاني التي نسجتها الأجيال. نمشي في موكب مهيب، آلاف العائلات يجمعها وجع واحد، وقلق يمتد من شغاف القلب إلى أطراف الأرض، يحدونا أمل غامض بأن نجد خلف التلال سكينة لا تشوبها أصوات المدافع والعدوان الغاشم.

استراحة النزوح على رصيف الانتظار

تلقي بنفسك على رصيف الانتظار مع انتصاف النهار، لترتاح قليلاً وتأخذ نفساً عميقاً يخرج من أعماق تجربة النزوح القسري إلى الوطن، التي تتكرر بنكهة ولون غامق. تنظر إلى العابرين؛ وجوهٌ غادرها النور، وأعينٌ شاخصة نحو مجهولٍ يتربص بالخطى. تشاهد آخرين لم يسعدهم الحظ بالوقوف ليرتاحوا من الهرب والنزوح في طريق مشغولة بهاجس “العودة” الذي يصارع اليأس. ومع ميل الشمس نحو الغروب، تتدلى ظلال التعب على أكتاف الصغار، فتصير كل خطوة صلاة، وكل دمعة استغاثة، في رحلة بحث عن مكان يأوي النفس والأهل، بعيداً عن التشظي، في وطن يسع أحلامنا دون أن تضيق به الرصاصات، نتمسك فيه بالبقاء حباً بالحياة في أرض طاهرة.

مدن الصمت ومخالب الاستغلال

وعند الوصول، تدخل مدناً غارقة في صمتها، ومؤسسات تستفيق متأخرة كأنها في ذهول أمام طوفان الانكسار الإنساني، فيرتبك الجميع ويكثر الضجيج والثرثرات. هنا، يختفي صدى التعاطف عند البعض، وتبرز مخالب الاستغلال. يا لعار النفوس التي ترى في أنين المهجرين فرصة لمضاعفة الأرباح! تجارٌ ينسجون من الكذب غطاءً لجشعهم، يرفعون الأسعار بقلوبٍ ملوثة بفساد النية، يحرقون ما تبقى من كرامة العيش ببدلات إيجار تفوق الخيال، واهمين أنهم يرممون خساراتهم في لعبة المصارف على حساب جراح الناس. إنها “لعبة” قاسية، تتواثب فيها الأنانية فوق أنقاض المبادئ، حيث ترقص بعض اللجان والجمعيات على تعب الأسر المنهكة بلغة لا تبلل ريق العطشى إلى الأمان.

نور التضامن الإنساني

لكن، وفي قلب هذا الظلام، ينبثق نورٌ سماوي. ثمة أرواحٌ تأبى إلا أن تظل منارات للحق، عائلات تقف بعزة وكرامة تصغر أمام عنفوانها قصور الباذخين الغارقين في حسابات المناطقية الضيقة. وفي مراكز الإيواء والبيوت التي فتحت أبوابها دون منّة، تتجلى حقيقة الإنسان اللبناني الأصيل. هناك، يتقاسم المواطن الخبز والدفء مع أخيه الذي لم تلده أمه، أخيه في المواطنة والوطن، مترجماً علو القيم في أبهى صورها؛ إخوةٌ يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم لاستقبال أحبتهم، خاصة أبناء القرى الصامدة على حدود فلسطين الجريحة، ليثبتوا أن الإنسانية تتجاوز كل انقسام، بعيداً عن لغة الاتهام والتحدي والصراع الداخلي، بل من خلال الحوار والتنسيق والتفاهم الذي يعزز الدولة وسيادتها.

موعد العودة والأمل المتجدد

هؤلاء هم “مستنهضو الهمة” الذين لم تلوثهم حسابات الربح، بل استشعروا أن الوطن جسد واحد. نحن اليوم نعيش هذا النزوح بموكب لا يخلو من حماية الألم، لكنه يقطع موعداً مع العودة إلى الأرض والدور، مهما أمعن العدوان في تدميرها. يظل الموعد مع العودة هو “منتظر ساعة الإشراق” الذي نترقبه بيقين الصوفيين. سنعود لحيّ أنفسنا بقداسة الأرض وصلاة أهلها وشجاعتهم وحبهم للحياة، فمن روي بدمع النزوح، لا بد أن يزهر يوماً بنصر الكرامة، حيث تعود الروح إلى سكنها، وتستعيد الذاكرة خيوطها المفقودة تحت شمس الحرية والسيادة المطلقة.

السابق
هل تنقذ «سياسة المستنقع» النظام الإيراني؟
التالي
اليونيفيل تدعو لإنهاء الأعمال العدائية: رصدنا انتهاكات جسيمة ودماراً واسعاً يهدد أمن الجانبين