ما قام به حزب الله ومن خلفه الرعاة الإيرانيون من قتال وتدمير حمايةً لنظام الأسد، ليس من السهل إزالته من نفوس السوريين. إذ لا تجد في مشهد سوريا اليوم اتفاقًا على معاداة جهة محددة كحزب الله وإيران. لقد سبقوا إسرائيل وتخطّوها في منسوب العداء لدى السوريين عمومًا، وهو ما لا يمكن تخطيه بسهولة وفي زمن قريب. وهذا يكشف أيضًا حجم الجريمة التي ارتكبتها إيران وحزب الله بحق الشيعة أولًا والسوريين ثانيًا، كرمى لنظام بشار الأسد.
مقام السيدة زينب: من طقس ديني إلى أداة سياسية
الزيارة إلى مقام السيدة زينب تقليد شيعي قديم، لكنها مع هيمنة الموجة الإيرانية على البلاد، جرى تحويل الزيارة إلى وظيفة بعيدة عن مراميها، ووسيلة استثمار في العاطفة الشيعية من أجل التغطية على التدخل العسكري لحزب الله في سوريا. وصار تنظيم الحملات وتضخيم أعداد الزائرين لأهداف سياسية وحزبية.

بُصرى… حين دُمّرت النفوس قبل البيوت
أحد أبناء مدينة بُصرى الواقعة في الجنوب السوري، وهو مهجّر ومقيم بالقرب من مقام السيدة زينب، قال: “حاولنا قبل التهجير أن نقنع بعض مسؤولي حزب الله بأن بُصرى يجب أن تبقى بمنأى عن تدخلكم، فشيعتها يعيشون منذ مئات السنين مع محيطهم في جنوب سوريا”، يتابع: “لكن لم يسمعوا، حتى قال الشيخ نعيم قاسم في خطاب في حينها، وبعد أن هُجّر أبناء المدينة: ‘هي أصلًا كانت ساقطة عسكريًا’ وذلك للتخفيف من حجم الخسارة!”. وأضاف المتحدّث بألم: “بعد أن هُجّرنا ودُمّرت بيوتنا تقول ذلك؟!”… ويكمل: “ما دُمّر في بُصرى هي النفوس، والعودة لن تتم قريبًا”، معتبرًا أن أهالي بُصرى وغيرهم على اختلاف انتماءاتهم تحكّم بهم حملة السلاح وهم قلّة، وجرى حينها عزل العقلاء وعموم الناس.
العقل الذي أدار معركة التدخل في سوريا بذهنية طائفية ومذهبية وبعناوين شيعية، غامر بالوجود الشيعي في سوريا من دون أن يرفّ له جفن. والشيعة أقلية قد لا تتجاوز الواحد في المئة.
حي الأمين… ذاكرة المرجعية الشيعية العربية

كان لا بد لي أن أقوم بزيارة لحي من أحياء دمشق الذي يقيم فيه مواطنون سوريون شيعة، ألا وهو “حي الأمين”، والذي يضم “المحسنية”، وهي المدرسة الشهيرة في دمشق كان قد أسسها السيد محسن الأمين في بدايات القرن العشرين، وسُمّيت المحسنية بعد وفاته في العام ١٩٥٢. بل سمّت الحكومة السورية الحي الذي أقام فيه السيد “حي الأمين” تكريمًا للسيد الأمين في ذلك الحين، لما كان لهذا المرجع الشيعي من تقدير واحترام كبيرين لدى مختلف النخب السورية، بسبب دوره الوطني والوحدوي والتربوي والديني.
وهو الذي يستحضره السوريون اليوم كنموذج للمرجعية الشيعية العربية، الذي رفض في زمن الانتداب الفرنسي في سوريا أن يُعيّن مفتيًا للشيعة في سوريا، وقال قولته الشهيرة: مفتي المسلمين في سوريا هو مفتي كل المسلمين ومنهم الشيعة.
وعاد وزير الثقافة السوري الحالي محمد ياسين صالح ليذكر، خلال لقائنا به في معرض دمشق الدولي للكتاب، بهذه القامة الدينية التي تفتخر سورية بها. وهو كان ذكّرنا بزيارته لمقام السيدة زينب ولضريحه في هذا المقام قبل أشهر، وأطلق كلامًا يليق بسيرة السيد الأمين.
جرح لم يُغلق… ورسالة لم تُرسل

انخراط حزب الله في القتال في سورية إلى جانب النظام جرح مفتوح لم يجر إغلاقه بعد، ولم تبدر أي خطوة يترقبها بعض أركان النظام الحالي من قبل الحزب، للبناء عليها إيجابًا. وفي اعتقادهم أن حزب الله معني بتوجيه رسالة إلى الشعب السوري تتضمن اعتذارًا صريحًا على مسار تورطه في القتال داخل سوريا، وهو بحسب المصدر على الأرجح ليس واردًا من قبل حزب الله.
ويشير المصدر نفسه إلى أن حزب الله سبّب جراحًا عميقة بقتاله في سوريا وتدميره مدن مضايا والزبداني والقصير وبلدات القلمون، وذلك لا يمكن أن يُطوى بسهولة. ويستكمل المصدر ذكر محطات دموية تسبب بها أو شارك فيها حزب الله والميليشيات الشيعية على اختلافها تحت رعاية إيران.
سوريا الجديدة: لا انتقام… بل دولة
هل يعني كل ذلك أن الانتقام وارد من قبلكم؟ يجيب: لسنا في هذا الوارد ولا نسعى إليه، يؤكد قريبون من السلطة الجديدة، معتبرين أن سوريا الجديدة تتعامل مع لبنان من دولة إلى دولة، وعصر الميليشيات انتهى.
وأضاف: نحن منهمكون بإعادة بناء سوريا، يكفي أن لدينا نحو ستة ملايين نازح داخل سوريا دُمّرت بيوتهم وأرزاقهم، وعلينا مسؤولية إعادتهم إلى أماكنهم وبناء بيوتهم، وقِس على ذلك الخراب الذي تسبب به نظام الاستبداد في النفوس وفي البنى التحتية والعمرانية.


