قال لي السيد إبراهيم أمين السيد، وكان يومها ناطقًا رسميًا باسم حزب الله: «نحن لسنا جماعة إيران في لبنان، ولا مجرد حلفاء لها؛ نحن إيران في لبنان». وبعد ذلك بسنوات، نقل أحد القياديين الأساسيين في الحزب، من خلية «عين الدلبة»، والتي شكّلت أساس البنية التاريخية الأمنية والجهادية للحزب، قال عبارة لا تقل صراحة ووضوحًا: «نحن حزب الله الحقيقي الذي لا يظهر، كل ما تراه من نواب ووزراء وإعلاميين ليس إلا ستائر وأقنعة». بين الجملتين يمتد تاريخ كامل، وصولًا إلى المقتلة الأخيرة التي طالت حزب الله الحقيقي، لا بوصفه سردًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه حكاية أقنعة متراكبة، تتبدّل أشكالها وتثبت مادتها.
لو أعلن حزب الله عند ولادته أنه جيش ولاية الفقيه فقط، عقيدة ووظيفة، لما والاه أغلب من سار بركابه عبر السنين.
منظومة الأقنعة: السياسة كستار
على امتداد أربعة عقود، عاش حزب الله داخل منظومة من الأقنعة والستائر، منظومة لم يكن مبرر تمويهها وإخفائها العمل السري فقط، بل طبيعة الحزب وعلاقاته بمرجعيته: منظومة أقنعة من الرجال، وأقنعة من الحلفاء، وأقنعة بالشعارات والقضايا. لم تكن الوجوه السياسية سوى واجهات وستائر؛ الوزراء والنواب أقنعة، والحلفاء أقنعة. أقنعة مختلفة ومتنوعة لجوهر واحد هو الدفاع عن جمهورية ولاية الفقيه في إيران، مهما تبدّلت الرايات واللافتات.
ولذلك تقلبت الأقنعة في ساحة الشعارات والقضايا كما تتقلب الأقنعة على مسرح مضاء: من مواجهة الولايات المتحدة ونصرة «المستضعفين» في العالم، إلى تحرير القدس ورفض أي حل سلمي للقضية الفلسطينية؛ من تحرير لبنان وحمايته من إسرائيل، إلى إقامة توازن ردع معها؛ من محاربة «داعش» والسلفية الجهادية السنية، إلى خطاب استعادة الحرم المكي من آل سعود ونصرة «أشراف» اليمن من الحوثيين. تعدّدت الأقنعة، وتنوّعت السرديات، وبقي الجوهر ثابتًا. وكان الثمن تاريخًا مأسويًا لدول المشرق العربي، يتأرجح بين مآلات روايتين يابانيتين بالغتي الدلالة: «وجه آخر» لكوبو آبي، و«اعترافات قناع» ليوكيو ميشيما.
على امتداد أربعة عقود، عاش حزب الله داخل منظومة من الأقنعة والستائر، منظومة لم يكن مبرر تمويهها وإخفائها العمل السري فقط، بل طبيعة الحزب وعلاقاته بمرجعيته
القناع في الأدب الياباني: انهيار الهوية
في الأدب الياباني، ولا سيما في هاتين الروايتين، كما في مسرح «النو» الكلاسيكي الياباني أيضًا، لا يُستدعى القناع بوصفه زينة سردية، بل كأداة فلسفية لفهم انهيار الهوية.
تحكي رواية «وجه آخر» (Tanin no kao) للكاتب والروائي الياباني كوبو آبي – Kōbō Abe (1924–1993)، عن عالِم/مهندس يتشوّه وجهه بحادث، فيفقد ليس ملامحه فقط، بل مكانته الاجتماعية وهويته، وهو شبيه بما حصل لشيعة لبنان نتيجة تعاقب الوحشية الإسرائيلية والبطش الأسدي والسطوة الإيرانية عليهم.
يصنع الرجل لنفسه قناعًا اصطناعيًا بالغ الإتقان يسمح له بالعودة إلى المجتمع، لكن القناع لا يعيده إلى ذاته، بل يفتح أزمة أعمق ويطرح سؤالًا: هل القناع يخفي الحقيقة أم يصنعها؟ ماذا يحدث حين يصبح القناع أكثر «واقعية» من الوجه؟ العلاقة العاطفية مع المرأة (زوجته) تتقدّم بقدر ما تتبدّل الأقنعة: قناع اجتماعي، قناع عاطفي، قناع وجودي. في النهاية، يصل الرجل إلى لحظة انكشاف جذري، ليس لأنه نزع القناع الأخير حرفيًا، بل لأنه يكتشف أن الوجه نفسه وهم، وأنه لم يكن يملك «وجهًا أصليًا» من الأساس، ويتأكد الانطباع أن «نزع الأقنعة ينساب حتى لا يبقى وجه». ويتضح أن المشكلة ليست في فقدان الوجه، بل في أن الذات نفسها كانت قناعًا. لا وجه يُستعاد، ولا هوية تُنقذ، بل إدراك قاسٍ بأن الإنسان الحديث كائن قابل للاستبدال.
رواية «وجه آخر» هي رواية الفرد الذي يُطلب منه أن يكون «وظيفة» لا ذاتًا، أو الجماعة التي تؤطّر لممارسة غربتها عن محيطها، والفرد يحمل هوية مصنّعة لإنسان محاصر داخل نظام. القناع يخفي فراغًا، والعلاقة العاطفية تُفكّك الهوية.
«اعترافات قناع»: النار المختبئة خلف التمثيل
في رواية يابانية أخرى للكاتب يوكيو ميشيما، أحد أشهر الأدباء اليابانيين في القرن العشرين، بعنوان «اعترافات قناع»، نُشرت لأول مرة في اليابان عام 1949، تُروى قصة شاب ياباني يكافح للتصالح مع هويته الحقيقية في مجتمع محافظ، فيتخفّى خلف «قناع» اجتماعي ليخفي ميوله ورغباته.
يُرتدى القناع هنا لحماية الرغبة المحرّمة. القناع قدر جمالي وأخلاقي. الذات موجودة، لكنها مشوّهة أخلاقيًا أو اجتماعيًا. الحب ليس كشفًا للذات، بل صراع بين الرغبة والانضباط. عند ميشيما، القناع يخفي نارًا، والحب اختبار قسوة للجسد والفضيلة، وغالبًا ما ينتهي بالعجز أو الانتحار أو التضحية. المرأة ليست مرآة الذات، بل حكمها.
«اعترافات قناع» ليست رواية عن «موضوع واحد»، بل عن ثمن إخفاء الذات. هي رواية عن الألم الناتج عن العيش وفق توقعات الآخرين، وعن هشاشة الهوية عندما تُبنى على التمثيل لا الحقيقة. حين يسقط القناع، لا يظهر وجه، بل صمت.
يكفي هنا التذكير بالفكرة المركزية دون إسهاب: القناع قد لا يخفي وجهًا حقيقيًا، بل يعوّض عن غيابه. عند كوبو آبي، حين يُنزع القناع لا تظهر حقيقة محرِّرة، بل فراغ؛ وعند ميشيما، القناع يخفي نارًا أخلاقية وجسدية لا يمكن إعلانها إلا بثمن الفناء. هذه الخلاصة وحدها كافية لتأطير التجربة السياسية التي نحن بصددها.
إذا أعدنا النظر في مسار حزب الله على هذا الأساس، يتضح أن الحزب لم يستخدم الأقنعة مرحليًا، بل بنيويًا. فالحزب، منذ نشأته، لم يقدّم نفسه كذات سياسية مكتملة، بل كوظيفة ضمن مشروع أكبر منه. لذلك احتاج دائمًا إلى أقنعة تتقدّم إلى الواجهة وتحمي الجوهر من المساءلة.
الأقنعة السياسية: حلفاء وشعارات
في الحلفاء، لم تكن التحالفات تعبيرًا عن تقاطع مصالح بقدر ما كانت توزيعًا للأقنعة: حركة أمل أدّت وظيفة القناع الشيعي الجامع، الذي يسهل احتكار التمثيل ويخفف حدّة السيطرة؛ التيار العوني شكّل القناع المسيحي، الذي وفّر غطاءً وطنيًا عابرًا للطوائف؛ المشاركة في الحكومات اللبنانية كانت قناع الدولة والسيادة والمؤسسات؛ أما التحالف مع النظام السوري وأحزاب العراق فكان القناع العربي، الضروري لتسويق مشروع غير عربي في بيئة عربية.
القناع قد لا يخفي وجهًا حقيقيًا، بل يعوّض عن غيابه. عند كوبو آبي، حين يُنزع القناع لا تظهر حقيقة محرِّرة، بل فراغ؛ وعند ميشيما، القناع يخفي نارًا أخلاقية وجسدية لا يمكن إعلانها إلا بثمن الفناء.
وفي الشعارات، تبدّلت الأقنعة بوتيرة أعلى من تبدّل الحلفاء. كل مرحلة احتاجت خطابًا، وكل خطاب أدّى وظيفة قناع: من مقاومة أميركا إلى نصرة المستضعفين في العالم؛ من تحرير القدس ورفض التسويات للقضية الفلسطينية، إلى حماية لبنان من إسرائيل؛ من منطق التحرير إلى منطق الردع؛ من محاربة الإرهاب السني الجهادي إلى الانخراط في صراعات اليمن والخليج. لم يكن التناقض عيبًا، لأن القناع لا يُسأل عن اتساقه، بل عن فعاليته.
الانهيار الإيراني والقناع الأخير لحزب الله
لكن القاسم المشترك بين كل هذه الأقنعة كان واحدًا: حماية المشروع الإيراني في لحظات تمدّده، والدفاع عنه في لحظات انكفائه. لم يكن حزب الله يومًا في موقع إنتاج استراتيجية مستقلة، بل في موقع إدارة واجهات متبدّلة لجوهر ثابت. تمامًا كما في «وجه آخر»، لم يكن هناك وجه أصلي يُخفى، بل وظيفة تُؤدّى.
اليوم، ومع دخول إيران نفسها في طور الانهيار البنيوي، لم يعد الربط بين المركز والأطراف تحليلًا نظريًا، بل معطى زمنيًا مباشرًا. فمنذ انتفاضة 2019، مرورًا بانفجار الاحتجاجات بعد مقتل مهسا أميني، وصولًا إلى التآكل المتسارع للاقتصاد الإيراني، وانكشاف عجز الدولة عن ضبط الشارع أو إنتاج أفق سياسي، باتت «ولاية الفقيه» نفسها تعيش أزمة شرعية وبقاء. هذا ليس حدثًا عابرًا، بل مسارًا زمنيًا تراكميًا يضع النظام في موقع الدفاع الوجودي.
في هذا السياق، لم يعد حزب الله قادرًا على تبديل أقنعته بالسهولة السابقة. فالقناع يحتاج إلى مركز قوي يمدّه بالمعنى والموارد معًا. ومع ضعف المركز، تبدأ الأقنعة بالترهّل. خطاب المقاومة يفقد قدرته على التعبئة في ظل الانهيار اللبناني، وخطاب حماية الطائفة يتآكل مع تفكك الدولة، وخطاب الردع الإقليمي يصطدم بواقع إيراني عاجز عن الحسم أو الحماية.
ما كان يُسوَّق كقوة فائضة بات يُدار كخسارة مؤجَّلة.
نحن أمام لحظة تاريخية مختلفة: لحظة نزع القناع الأخير. لا لأن الحزب قرر المكاشفة، بل لأن الزمن فرضها. حين ينهار المركز، تفقد الأطراف قدرتها على التمثيل؛ وحين تتصدّع الولاية، يسقط خطاب القداسة؛ وحين يتوقف تدفّق الموارد، تنكشف الوظيفة العارية بلا خطاب ولا غطاء.
نزع القناع الأخير هنا لا يعني تحوّل حزب الله إلى كيان لبناني طبيعي، ولا اعترافًا بحقيقة مخفية، بل انكشاف الفراغ الذي كان القناع يملؤه. تمامًا كما عند كوبو آبي: لا وجه خلف القناع، بل غياب الوجه نفسه.
القناع يحتاج إلى مركز قوي يمدّه بالمعنى والموارد معًا. ومع ضعف المركز، تبدأ الأقنعة بالترهّل. خطاب المقاومة يفقد قدرته على التعبئة في ظل الانهيار اللبناني،
ما بعد الأقنعة: سؤال المستقبل
الفراغ، في السياسة، ليس حياديًا؛ إنه يولّد صراعًا، ويترك المجتمع الذي عاش طويلًا داخل الأقنعة أمام سؤال قاسٍ: كيف نعيش بلا ممثّل؟
حين تسقط الأقنعة كلها، لا يبدأ الخلاص تلقائيًا، بل يبدأ الاختبار: اختبار القدرة على إنتاج سياسة بلا قداسة، وهوية بلا وظيفة، ووجود بلا وصاية. ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي تفرضه أحداث إيران اليوم على حزب الله، وعلى لبنان وشيعته معًا.

