انتخابات طرابلس: الفراغ السني واختبار القوات في مدينة الذاكرة

طرابلس
تدخل انتخابات طرابلس في ظروف غير طبيعية بسبب غياب تيار المستقبل، ما أدى لفراغ سياسي تم استغلاله من قبل القوات اللبنانية. هذه الأخيرة تسعى للتمثيل في بيئة سنية دون جذور شعبية، مما يؤدي إلى تحالفات ضعيفة. المدينة تبحث عن تمثيل حقيقي ولا تعترف بمشاريع سياسية غير ملائمة.

لا تجري انتخابات طرابلس في ظروف طبيعية. فالمدينة تدخل الاستحقاق وهي فاقدة لعمودها السياسي التقليدي، مع غياب تيار المستقبل عن المشهد، ما فتح الباب أمام سباق محموم لملء الفراغ، ولو على حساب الذاكرة والعدالة والانسجام السياسي.

في هذا السياق، تحاول القوات اللبنانية التقدم كلاعب بديل، مستخدمة خطابًا سياديًا حادًا، وتحالفات انتخابية مع النائب أشرف ريفي، أو ربما مع الأحباش، لكنها تصطدم مجددًا بحقيقة طرابلس التي لا تنسى، ولا تمنح شرعيتها بسهولة.

غياب تيار المستقبل: فراغ لا يُملأ بالشعارات

شكّل تيار المستقبل، لعقود، المظلة السياسية الأوسع في طرابلس. ومع خروجه من الحياة الانتخابية، لم يترك فقط فراغًا تنظيميًا، بل فراغًا تمثيليًا ومعنويًا.

هذا الغياب لم يُنتج قيادة بديلة طبيعية، بل فتح المجال أمام قوى من خارج النسيج الطرابلسي لمحاولة التمدد، من دون امتلاك رصيد اجتماعي أو تاريخ سياسي في المدينة. وهنا، برزت محاولات واضحة لاستثمار هذا الفراغ، لا لتمثيل طرابلس، بل لاستخدامها كساحة انتخابية.

القوات اللبنانية: محاولة وراثة الفراغ

في ظل غياب تيار المستقبل، تحاول القوات اللبنانية تقديم نفسها كرافعة سياسية جديدة داخل البيئة السنية الطرابلسية. لكن هذه المحاولة تقوم على معادلة مختلة: خطاب مرتفع السقف، مقابل غياب كامل للتجذر الشعبي، خصوصًا مع آل كرامي.

القوات لا تدخل طرابلس عبر مشروع سياسي خاص بالمدينة، بل عبر تحالفات حسابية، تفترض أن الفراغ يعني قابلية الاستيعاب. غير أن طرابلس لا تبحث عن وريث سياسي جاهز، بل عن تمثيل يعكس تاريخها وخصوصيتها.

تحالفات بلا جذور

التحالفات التي تُنسج اليوم في طرابلس لا تقوم على مشروع جامع، بل على استثمار لحظة ضعف سياسي. وهي تحالفات لا تصمد أمام أول اختبار شعبي، لأنها لا تعالج أسئلة الناس، بل تتجنبها.

القول إن المرحلة تفرض ذلك، ليس سوى تبرير لعجز سياسي، ومحاولة لفرض وقائع انتخابية فوقية في مدينة اعتادت أن تدفع ثمن خيارات غيرها.

غياب تيار المستقبل كشف هشاشة التمثيل، لكنه لم يمنح أي جهة صك وراثة. وطرابلس، رغم الفراغ، لم تفوض أحدًا للتحدث باسمها، ولا لمنح صكوك غفران عن الماضي.

انتخابات طرابلس اليوم هي اختبار مزدوج: اختبار لمدينة تبحث عن تمثيل حقيقي، واختبار لقوى تحاول الدخول من باب الفراغ، من دون مواجهة الذاكرة.

وفي هذا الاختبار، لا تنفع الشعارات، ولا تعوّض التحالفات عن غياب الاعتراف والمصارحة. ففي طرابلس، الفراغ السياسي لا يبرر القفز فوق الدم.

السابق
حزب الله ينفي اتهامات دمشق: لا وجود لنا في سوريا!
التالي
مدير أمن ريف دمشق لـ«العربية»: شبكات مرتبطة بحزب الله تنشط في سوريا وتهرّب السلاح والمخدرات