عندما يتكلم نعيم قاسم

وجيه قانصو

عندما يتكلم أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، لا تحتاج كلبناني أدنى جهد في فهم معنى كلماته، لكنك تقع دائماً في مشكلة أن تجد معنى معقول لمجموع الكلمات التي يقولها. تسأل في كل مرة: ما الذي يحعله يتكلم ويخاطب الآخرين بهذه الطريقة؟ تتعقد مهمتك بل تصير مستحيلة حين ترغب في معرفة كيف يفكر، وكيف تترابط الحقائق معه بطريقة لا ينفع في تفسيرها برهان منطقي أو استدلال رياضي أو حس مشترك common sense. 

تتولد معه نتائج وخلاصات من حقائق مناقضة لها. يفسر الواقع على عكس ما تدلي به معطيات هذا الواقع ومجريات أحداثه. يتباهى بمجد انتصاراته وعدوه ماض بلا رحمة ولا رادع في إبادة شاملة لكيانه.  يقدِّر أن عدوه على وشك السقوط والزوال، وعدوه يحتل سماءنا ويذكرنا يومياً بهشاشتنا ويترك مصائرنا لعبث الصدفة.

كلما تكلم قاسم تعمق الاغتراب بينه وبين اللبنانيين وزادت الهوة بينهما. لا لتنكره للمتغيرات الكبرى وضرورة التكيف العقلاني معها فحسب. إنما يكشف في كل مرة، بقصد منه أم بغير قصد، كم هو مستغرق في حزبية متضخمة ترى العالم يدور من حولها وحدها

يعلن سلاحه صمام أمان للبنانيين، ويهدد بحرب أهلية كلما كان جدوى سلاحه موضوعاً للنقاش. يتسبب بالكارثة في مواجهة متهورة تفرد بها من دون إقرار أو حتى علم منا، ثم يتنصل من خطيئته ويلقي علينا عبء دفع أثمانها وتحمل تبعاتها. يصر على أن سلاحه دفاعاً عن السيادة، وهو يدرك أن السيادة أساسها حصر السلاح بيد الدولة. يكثر من مدح حجارة الهيكل رغم أن الهيكل بات ركاما فوق رؤوس ساكنيه.

لا يعود السبب في ذلك إلى خلل في تفكير نعيم قاسم، وإنما إلى فقدان أي مشترك قيمي أو عناصر تواصل عقلي وحوار ندي بينه وبين اللبنانيين. لا يعود غرضه أن تفهم ما يقول، ولا يبال بإقناعك أو طمأنتك أو تقديم حلول منطقية ومقترحات واقعية للخروج من حال الانسداد الذي تسبب به سلاحه. خط تواصله أحادي وباتجاه واحد.

إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: بين خطابي القسم والاستقلال: تهافت وطن ومذبحة في الأفق

هو يبلغك فقط، يملي عليك مواقف نهائية لا رجعة فيها، ويعرض عليك خلاصاته بمنطق إعلم وافهم رغماً عنك. يبشرك أنه قدرك والخبز الذي تحيا به والهواء الذي تتنفسه. يقحمك داخل عالم مربك وغريب عليك، تغيب بداخله بديهيات الدولة ومسلمات الانتظام العام وأسس المشروعية السياسية التي لا تقوم لمجتمع قائمة من دونها. يفرض عليك ثقافة من خارج ذاكرتك واختباراتك التاريخية التي استمد منها لبنان ثقافته وشكَّل هويته التي جعلته حقيقة أصيلة وليس مجرد صدفة تاريخية أو خطأ سياسياً. 

حين يتكلم نعيم قاسم، تسمع منه نقيض ما تتوقع وتأمل، وتشعر أنه يخاطب قوماً وأناساً لست منهم. عندها تدرك أن قنوات التواصل المعقلن والصريح بينك وبينه قد تقطعت منذ زمن بعيد. وأن حظوظ الحوار الهاديء والشفاف باتت معدومة

 كلما تكلم قاسم تعمق الاغتراب بينه وبين اللبنانيين وزادت الهوة بينهما. لا لتنكره للمتغيرات الكبرى وضرورة التكيف العقلاني معها فحسب. إنما يكشف في كل مرة، بقصد منه أم بغير قصد، كم هو مستغرق في حزبية متضخمة ترى العالم يدور من حولها وحدها، ويُظهر درجة تموضعه القيمي والسياسي خارج الفكرة اللبنانية كهوية وكيان ودولة ومجتمع وأطر انتظام وشبكة مصالح. هواجسك ومخاوفك وأمالك وتطلعاتك غائبة بالكامل عن مجال سمعه وبصره وانتباهه. تطالبه بحياة آمنة مستقرة وسوية يقابلك بمؤمرات الاستكبار وتواطوء المتصهينين في الداخل. تلفت نظره إلى الواقع والعيني ويقابلك بنعيم غيبي ومداد من السماء قادمين. تُحدِّثَه عن كوارث وويلات الحرب الأخيرة وضرورة أخذ العِبر منها، ويعرض عليك بالمقابل خيار التضحية والشهادة والموت الطوعي. 

 حين يتكلم نعيم قاسم، تسمع منه نقيض ما تتوقع وتأمل، وتشعر أنه يخاطب قوماً وأناساً لست منهم. عندها تدرك أن قنوات التواصل المعقلن والصريح بينك وبينه قد تقطعت منذ زمن بعيد. وأن حظوظ الحوار الهاديء والشفاف باتت معدومة.  فهو يطل عليك دائماً مدججاً بنهائياته ويقينياته وسرديته الخاصة التي أُنتجت مادتها ومضامينها من خارج السياق اللبناني، ولم تكن يوماً شريكاً في صياغتها أو جزء من اختباراتها، ثم يفرضها بديهة أولى ومباديء مُنزَّلة لأي حوار أو تفاهم أو انتظام سياسي. 

إقرأ أيضا: قاسم الدولة يخطب و يبعثر نعيمها بين الصراخ والفراغ

هو بهذا لا يقصيك بل يخرج من فضائك العام ويعزل نفسه، يصير فيها أسير ذاته وحبيس حتمياته.   فلا يعود حزباً أو تياراً بل فرقة cult لها نسقها الذاتي المغلق، ونظام حقيقة خاص بها لا يقبل المشاركة أو التعميم، تجد كل ما تراه حقاً وما ترتئيه صواباً وما تعتقد به طريق نجاة.  فرقة تسكن عالماً خاصاً بها، تتضائل بداخله مساحة الاختلاف إلى حد الفناء، كون الاختلاف يهدد وثوقياتها بالتلاشي ويفتح باب الإمكانات اللامتناهية على مصراعيه. فرقة تجد نفسها ممتلئة ومكتفية بذاتها، فلا يعود هنالك حاجة إلى آخر تتساكن أو تتعايش أو تبني حياة مشتركة معه أو تلتقيه في منتصف الطريق أو تخاطبه أو تحاوره أو حتى تعترف بوجوده. 

السابق
السفير الإيراني يتحدث عن موقف قاسم بعد اغتيال الطبطبائي.. ماذا قال؟
التالي
بينهم 354 منذ وقف النار.. حصيلة الشهداء في غزة تتجاوز 70 ألفاً منذ بدء الحرب