الوساطة المصرية وسلاح «الحزب»: مسار محفوف بالمخاطر والتسويات

الوساطة المصرية

تحمل الوساطة المصرية لحل ازمة سلاح “حزب الله” عنوانا كبيرا لم يظهر كفاية في الزيارة الأولى التي قام بها الى لبنان مدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد. واشارت المعلومات الى زيارة مقبلة للمسؤول المصري الى لبنان، ما يعني ان هذه الوساطة لم تنطلق لتنتهي، كما يعني ان هناك سعيا لايجاد مخرج لازمة سلاح الحزب وسط مؤشرات لا تبعث على الاطمئنان، بل تنذر بأن حربا إسرائيلية جديدة ستقع كي تنهي الدولة العبرية ما بدأته في حربها العام الماضي.

الظروف الإقليمية التي سمحت بالدور المصري

تقول معلومات رسمية، ان هناك ظروفا لم تكن متوافرة سابقا سمحت للقاهرة بالانطلاق بهذه الوساطة ابرزها رغبة أميركية تؤازرها موافقة سعودية بهذا الدخول المصري على خط ملف لبنان. واتت هذه المعلومات نقيضا لما تردد إعلاميا اليوم من ان الوساطة المصرية ليست على موجة واحدة مع الموقف الأميركي والخليجي من كيفية التعامل مع سلاح الحزب.

ولاحظ المراقبون ان الحكم المصري مارس ابتعادا شديد الوضوح عن التطورات الأخيرة الناشئة عن حرب طوفان الأقصى في غزة وما تلاها من حرب اسناد في جنوب لبنان. ولكن السلوك المصري تغيّر فجأة بدءا من نهاية حرب غزة لجهة ترتيب الاتفاق الذي انهى الحرب والذي توّج قمة شرم الشيخ الشهر الماضي.

وتحركت بعد اتفاق غزة مباشرة الوساطة المصرية التي يتناولها تقرير اليوم، وهي وساطة انهت أعواما تقريبا من سياسة مصر “النأي بالنفس” عن الملف اللبناني.

ويتذكر احد السياسيين ظروف عضوية مصر في اللجنة الخماسية التي تابعت ازمة الانتخابات الرئاسية التي نشأت من استعصاء اجرائها بعد شغور منصب الرئاسة الأولى عام 2022 بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية الأسبق ميشال عون ودخول لبنان في ازمة فراغ رئاسية. فيقول هذا السياسي، ان اقتراح عضوية مصرية في اللجنة كان شكليا، لإن الفاعلين الأساسيين في اللجنة كانوا الأعضاء الأربعة الاخرون، وهم ممثلو الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وفرنسا وقطر.

لكن الظروف المرافقة للدور المصري في لبنان تغيّرت كما اسلفنا بفعل نتائج حرب غزة، ويتصدر هذه النتائج ان السعودية التي تعتبر شريكا رئيسيا للولايات المتحدة للتحولات الجارية في سوريا، تدفع بقوة كي تكون القاهرة الى جانبها كي ينخفض منسوب الدور التركي والقطري في لبنان.

تحركت بعد اتفاق غزة مباشرة الوساطة المصرية وهي وساطة انهت أعواما تقريبا من سياسة مصر “النأي بالنفس” عن الملف اللبناني.

توازنات إقليمية متغيرة وتنافس متعدد الاتجاهات

ولا يفوت المتابعون عن كثب لما يدور في سوريا ولبنان ان التنافس ما زال قائما بين الجهات الإقليمية التي تمثل الاخوان المسلمين وبين الجهات الإقليمية الأخرى المناهضة للاخوان. ويحظى الفريق الأخير، أي المناهض للاخوان، بدعم من إسرائيل وموافقة أميركية. وتعني هذه التفاصيل ان هناك تنافسا مصريا سعوديا مقابل تركيا وقطر في الملفات المحتدمة والتي تمتد من غزة الى لبنان مرورا بسوريا.

تجدر الإشارة الى ان هذه التباينات الإقليمية إذا جرى تسميتها على هذا النحو، لا تعني وجود انقسام حاد، بدليل ان هناك مساحات عدة للتلاقي بين كل الجهات المشار اليها. لكن، ما يجب لفت الانتباه اليه هو ان تحرك الوساطة المصرية على الرغم من ان إسرائيل من المسهلين لها، دخلت حقل الغام كان ولا يزال من صنع إيراني. فهل حدث تحوّل في الموقف الإيراني ما سمح للقاهرة بالوصول الى الملف اللبناني من باب الفاعلية وليس الشكلية؟

تقوم الوساطة المصرية، على عدم نزع سلاح “حزب الله” حاليا شمال الليطاني. لكنها تركز على إخلاء جنوب الليطاني بكامله من سلاح الحزب.

التحول في الموقف الإيراني ودلالاته

تجيب أوساط لبنانية ذات علاقة عميقة بالنظام المصري، ان القاهرة انتقلت اليوم بعد هزيمة الاخوان في فلسطين وهزيمة “حزب الله” في لبنان الى وسيط ترغب طهران باللجوء اليه للحفاظ على ما تبقى لها من مصالح في العالم العربي. ولم تعد انقرة ولا الدوحة في موقع الوسيط الذي يتكل عليه بعد هزيمة ذراعهما، أي حركة “حماس”، في غزة. وتحسبا لهزيمة مماثلة ل”حزب الله” في لبنان، يحاول النظام الإيراني تجنيب ذراعه اللبناني هذا المصير.

خارطة الوساطة: جنوب الليطاني وشماله

تقوم الوساطة المصرية، كما تفيد آخر المعلومات التي ترددها مصادر “حزب الله”، على عدم نزع سلاح “حزب الله” حاليا شمال الليطاني. لكنها تركز على إخلاء جنوب الليطاني بكامله من سلاح الحزب. وتقترح الوساطة تجميد السلاح الموجود في منطقة شمال الليطاني، فلا يُستعمل ولا يُعزَّز، لتبدأ بعد ذلك المفاوضات حول انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من التلال الخمس ووقف عمليات إسرائيل على لبنان وتحرير الأسرى.

يلتقي خطاب “حزب الله” المعلن، كما ظهر في اطلالة امين العام الشيخ نعيم قاسم امس، مع الوساطة الرسمية بما يتعلق بالسلاح جنوب الليطاني. لكن هذا الخطاب يتسم بالغموض حول مصير سلاح الحزب شمال النهر. وأدى هذا التمييز الذي يمارسه “حزب الله” وراعيه الإيراني بين واقع جنوب الليطاني وشماله الى تصاعد احتمالات الحرب الإسرائيلية في وقت قريب، يتصل بنهاية العام الجاري او بعده بقليل.

والخلاصة، اننا شهدنا ولا نزال منذ تحرك الوساطة المصرية تركيزا على استمرارها. وترافق تصاعد القلق من تجدد الحرب الاسرائيلية في موازاة الاهتمام بالدور المصري المستجد. وتتساوى في هذا المجال احتمالات المخاطر مع احتمالات التسوية. وهنا لا بد من القول، ان العالم العربي والإسلامي الذي اجتمع الشهر الماضي في شرم الشيخ مؤازرا الرئيس الأميركي في مخطط الحل لحرب غزة، اظهر ان زمن الاخوان المسلمين ونفوذه تحوّل، وتقدم زمن المنافسين له لاسيما في العالم العربي. وعليه، يجب مراقبة الوساطة المصرية ومآلاتها.

اقرا ايضا: علي الأمين: «عصر البندقية انتهى».. وبقاء سلاح «الحزب» هو «باب الفتنة» وسيجرّ الكوارث على الشيعة

السابق
الشيخ حسن حماده العاملي يبرق إلى الشيخ جلال معاش معزياً بوفاة عقيلته
التالي
مشروع قرار جديد ضد إيران بشأن تخصيب اليورانيوم.. وطهران تحذر