في خطوة قد تؤدي إلى تحول دراماتيكي في مسار الحرب المستمرة على قطاع غزة، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، صباح الجمعة، أن المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية (الكابينت) وافق على خطة تقضي بسيطرة الجيش الإسرائيلي على مدينة غزة، في ما يُعد أحد أكثر التحركات إثارة للجدل منذ اندلاع النزاع في أكتوبر 2023.
البيان الرسمي الصادر عن مكتب نتنياهو أشار إلى أن الخطة تتضمن “الاستعداد للسيطرة على مدينة غزة” مع تأمين توزيع المساعدات الإنسانية للمدنيين خارج مناطق القتال. غير أن الطابع الإنساني الظاهري للخطة لم يخفِ واقع تصعيدها العسكري، خصوصاً أنها جاءت مدعومة بخمسة مبادئ رئيسية تهدف إلى إنهاء الحرب، منها نزع سلاح حركة “حماس”، وفرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على القطاع، وإنشاء إدارة مدنية بديلة لا تتبع لـ”حماس” ولا للسلطة الفلسطينية.
تصعيد في توقيت حرج
القرار يفتح الباب أمام مرحلة أكثر دموية وتعقيداً في الحرب، خاصة في ظل استمرار الضربات الجوية والمدفعية اليومية، واحتلال الجيش الإسرائيلي لما يقارب 75% من أراضي القطاع. كما أن التحرك الجديد يأتي بينما تتصاعد الضغوط المحلية والدولية على حكومة نتنياهو، وسط حالة سخط من أهالي الأسرى الإسرائيليين، الذين يخشون أن تودي أي عملية عسكرية جديدة بحياة أحبائهم المحتجزين في غزة.

وفي هذا السياق، احتجت عائلات الرهائن خارج اجتماع الكابينت في القدس، معبرة عن غضبها من الخطة، التي وصفها محللون أمنيون سابقون بأنها “مجازفة غير محسوبة”. رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، عبّر بدوره عن معارضته لاحتلال كامل القطاع، واصفاً الخطة بأنها “كمن يسير بقدميه إلى فخ”.
لا نريد حكم غزة… بل أمنها
في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” الأميركية، أكّد نتنياهو أن إسرائيل تعتزم “السيطرة على القطاع دون حكمه”، مشيراً إلى أنه يسعى لإنشاء منطقة أمنية إسرائيلية على حدود غزة. لكن هذه التصريحات قوبلت برد عنيف من حركة “حماس”، التي اتهمت نتنياهو بمحاولة التخلص من الأسرى “من أجل مصالحه الشخصية وأجنداته الأيديولوجية المتطرفة”، واعتبرت أن أي توسيع للعدوان “لن يكون نزهة”.
أزمة إنسانية خانقة
في مقابل التصعيد العسكري، تتفاقم المعاناة الإنسانية في القطاع بشكل غير مسبوق. فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية وفاة 99 شخصاً – بينهم 29 طفلاً – جراء سوء التغذية منذ بداية العام، في حين تُحذر الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة، وسط استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المساعدات والسلع التجارية.

النازحة الفلسطينية أمل حمادة، البالغة من العمر 20 عاماً، عبّرت عن هذه المعاناة بمرارة: “لم تعد لدينا طاقة للهروب أو النزوح أو حتى الصراخ”، في تعبير صادق عن حالة الإنهاك الجماعي التي يعيشها سكان القطاع، بعد أكثر من 22 شهراً من الحرب والنزوح المستمر.
معارضة داخلية وضغوط دولية
لا يقتصر التحدي على الجانب الإنساني فقط، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي، حيث تتزايد الضغوط على حكومة نتنياهو لإنهاء الحرب، في ظل تعثر جهود استعادة الأسرى، واستمرار الاحتجاجات الشعبية. كما يواجه نتنياهو انتقادات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ما يعكس الانقسام المتزايد حول جدوى استمرار الحرب وتوسيعها.
في الأثناء، تتواصل الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار وتوفير ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، إلا أن آذان الحكومة الإسرائيلية لا تزال صمّاء أمام هذه المطالب، متمسكة برؤيتها الأمنية التي تعتبر السيطرة الكاملة على غزة شرطاً لإنهاء الحرب.
بين التصعيد العسكري المتسارع والكارثة الإنسانية المتفاقمة، تقف غزة على شفا مرحلة جديدة من النزاع، قد تكون أكثر قسوة من كل ما سبق. أما الأمل بوقف هذه المأساة، فلا يزال معلقاً في أروقة السياسة الدولية، وفي ضمائر من يملكون قرار الحرب والسلام.

