“لا سنواتَ تُحصى/ ولا أسماء/ ولا لحظات تروى/ لإرثٍ أو لمقامٍ/ عدوى الورد ولا أجسامهم/ عدوى العطر عليهم/ ولا نسمةَ حولهم/ ولا لون لعيونهم الأخيرة/ هؤلاء الذين يموتون خلف أمواتهم/ هؤلاء الذين يموتون خلف أعمارهم/”
بول شاوول – (أطفال غزّة)
توفلر و”صدمة المستقبل”: تسارع الانهيار النفسي
تساءل ألفين توفلر في كتابه “صدمة المستقبل”، عن المتغيرات في عالم الغد، وهل نحن حقًا مهيأون للمستقبل؟…
في هذا العمل الفكري الرائد، يقدم توفلر واحدًا من أكثر الكتب تأثيرًا في القرن العشرين والواحد والعشرين، حيث يصوغ مفهومًا جديدًا تحت عنوان “صدمة المستقبل”، ليصف حالة من القلق، والارتباك، والإرهاق النفسي الذي يصيب الإنسان عندما يُواجَه بتغيرات سريعة تفوق قدرته على التكيّف والمتابعة والتغيير. حيث تتسارع في عالمنا الحالي، التكنولوجيا، وتتغير أنماط الحياة، وتُعاد صياغة المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية وأبعد وأبعد…
الآلة الذكية… اغترابٌ جديد تحت نظارة السوق
يرى توفلر أن هذه السرعة الهائلة في التحول قد تؤدي إلى خلخلة الهويات، وتفكيك العلاقات، وإضعاف قدرة الإنسان على الاستقرار الداخلي والخارجي… ابتداءً من تسارع التغيير وفقدان الإحساس بالذات والثبات، والاغتراب الذي نعيشه أمام أنفسنا خطوة خطوة… وظهور مجتمعات “مؤقتة” يتغير فيها كل شيء بسرعة (العمل، السكن، القيم، المبادئ والأخلاق والحروب وأبعد وأبعد)… نتيجة الانفجار المعلوماتي وما يسببه من إرهاق ذهني يبدأ أولًا من الواحد فينا ثم ينتقل إلى العائلة المفككة أساسًا ثم يخرج إلى المجتمع دون الدخول في التفاصيل التي تتحول إلى كوابيس مرئية وخفية تأخذ أشكالًا وأسماء وعناوين ومضامين مختلفة كل ساعة أو كل دقيقة في عصر الأوقت واللاوعي حيث لا وقت للوقت، والتي تدعو إلى الحاجة إلى التعلم المستمر وبناء مؤسسات مرنة تستجيب للتطورات التي تصبح يومًا في مواجهة الإنسان نفسه ووجوده بنظارة الرأسمالية المتوحشة التي تخفي حقيقة الأشياء.
ورغم أن الكتاب كُتب قبل أكثر من خمسين عامًا، إلا أنه يبدو وكأنه يتحدث عن واقعنا اليوم بكل ما فيه من ضغوط رقمية، وقلق وجودي، وغموض مستقبلي وموت بطيء… كتاب “صدمة المستقبل” ليس مجرد كتاب بل صدمة وجودية… دعوة جريئة للتفكير، والتأهب، والتأقلم مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. وما تلك الحروب “الذكية” التي نعيشها في هذه الأيام “الذكية” و”آلة حروبها الذكية” بأيادي “قادة العالم الحاليين الأذكياء” سوى شرارة انفجار الكوكب البنفسجي الأولية… وربما أبعد وأبعد…!
نعم، يتناول كتاب “صدمة المستقبل” التغيرات السريعة في المجتمعات والثورات الصناعية وتأثيراتها على الأفراد والمجتمعات؛ فما بالنا في التكنولوجيا الذكية السريعة ذاتية التطور… والفيزياء التصاعدية… من الأمراض النفسية غير المألوفة للأفراد والمجتمعات التي تنتج عن التغيرات السريعة والمفاجئة في حياتهم، مما يؤدي إلى شعور بالارتباك والضياع.
يؤكد توفلر في كتابه على أهمية التخطيط للمستقبل والاستعداد للتغيرات والمتغيرات التي ستحدث كي لا نعيش حالة اغتراب مع أنفسنا يتحول مع تطور الآلة الذكية إلى اغتراب مزمن، وحتى يتمكن المجتمع من فهم الأفكار الجديدة… ويستفيد من هذه التغيرات ويتعامل معها بشكل لا يؤثر على أنفسه ووجوده… كما يركز توفلر كما ذكرنا أعلاه على أهمية فهم المجتمع والتعرف على احتياجاته وتحدياته، حتى يتمكن الأفراد من التكيف مع التغيرات والتعامل معها بشكل أكثر فاعلية وأكثر واقعية، وخصوصًا الأجيال القادمة.
يتناول كتاب “صدمة المستقبل” التغيرات السريعة في المجتمعات والثورات الصناعية وتأثيراتها على الأفراد والمجتمعات؛ فما بالنا في التكنولوجيا الذكية السريعة ذاتية التطور
من “هاي رايز” إلى “هم يعيشون”: البناية، الرأسمالية، والحقيقة الممنوعة
بالسلاسة ذاتها يستمر شريط الأحداث في (فيلم “High Rise”.. كيف تمسخنا الرأسمالية؟)، مغلّفًا بموسيقى كلينت مانسيل المدهشة، لتنتقل عدوى الفوضى إلى كل شبر في المكان، مَن بالأسفل يصعدون للأدوار العليا، وأصحاب الأدوار العليا يعيثون في الأدوار السفلى. حالة انحدار بربرية سلسة منغمسة في نظام البناية وبيئتها، ومدفوعة بها؛ السّخط والعنف حاضران -دون بيانات مضادة أو مشاعر ثورية- كردّ فعل بشري طبيعي على الرأسمالية. ليست رأسمالية سكان الأدوار العليا، وإنما الرأسمالية الكامنة في نظام البناية وبيئتها، للدرجة التي دفعت سيمونز -مساعد رويال مدير البناية العالمية- إلى مواجهته بأن ولاءه الحقيقي ليس لذاته ولا لرويال، وإنما “للبناية”.
يُعد فيلم “هم يعيشون” بلا شك إحدى روائع هوليوود اليسارية المنسية… الذي تمثل (النظارات الشمسية) فيه نقدًا للأيديولوجيا. فهي تتيح لك رؤية الرسالة الحقيقية وراء كل الدعاية والبهرجة والملصقات
نصل إلى نهاية المعترك، وقد مات أغلب سكان البناية، وتولت مجموعة من العمل على تهيئتها من جديد. “لقد انتصرت الرأسمالية، ولكن غنائمها لم تصل إلى الجميع”، كما تقول نورينا هيرتس في “السيطرة الصامتة”. نعم، بالسلاسة والسيطرة الصامتة ذاتها تستمر حروبنا دون توقف… تدور فينا وندور فيها دون توقف… من سايكس – بيكو… إلى وعد بلفور… إلى النكبة… إلى النكسة… إلى الخروج من بيروت… إلى طوفان الأقصى وموت غزّة وأطفالها من الجوع والحصار منذ أكتوبر 2024 حتى كتابة هذه المقالة… مؤامرات وحروب تعد ولا تُحصى من الهلال الإيراني وتقاطعاته الغادرة مع الهلال الإسرائيلي.. وكلها تمر من خلال النظارات الرأسمالية نفسها… كي لا نرى الحقيقة.
يُعد فيلم “هم يعيشون” بلا شك إحدى روائع هوليوود اليسارية المنسية… الذي تمثل (النظارات الشمسية) فيه نقدًا للأيديولوجيا. فهي تتيح لك رؤية الرسالة الحقيقية وراء كل الدعاية والبهرجة والملصقات والمؤامرات وما إلى ذلك من التجارة إلى صناعة الحروب والحروب المضادة سرًا وعلانية… موضوعات الفيلم نابعة من الاستياء من السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان. تتمحور فكرته حول أن “ثورة ريغان” تُدار من قِبل كائنات فضائية من مجرة أخرى، استولت على العالم وتستغله كما لو كان مستعمرة من العالم الثالث.
كل شيء مصمم لبيعنا شيئًا… كل ما يريدونه هو أخذ أموالنا. استخدم مخرج الفيلم جون كاربنتر “النظارات الشمسية” كأداة لرؤية الحقيقة… التي “تُرى بالأبيض والأسود”. الكائنات الفضائية هي ببساطة تجسيد للغيلان الرأسماليين.
قال كاربنتر: “هذه المخلوقات تُفسدنا، لذا فهي، في حد ذاتها، إفساد للبشر”. وأضاف في مقابلة: “لقد جنيت أموالًا طائلة من صناعة السينما بالطريقة التي تُدار بها اليوم، وأنا رأسمالي تمامًا. أنا فقط أدعو إلى القليل من الإنسانية في العالم… ومن الممتع مهاجمة الوضع الراهن”!
اقرا ايضا: وفاة وزير الخارجية السابق عبدالله بو حبيب عن 84 عامًا

