قُتل مدنيٌّ في النبطية. تطايرت الذخائر من مخزن سرّي قُصف، فانفجرت في منازل الناس. مرّ الخبر كأنّه عابر. لا غضب شعبيّاً، لا مساءلة، لا استنكاراً من نوّاب المنطقة، ولا حتى وقفة صامتة. لأنّ المقتول لم يُقتل على يد العدو فقط، بل قتله صمتٌ قاتل، وتواطؤ دائم، وتحوّل خطير في الوعي العام: نحن في زمن تموت فيه الناس ليبقى السلاح.
ما عادت المعادلة “السلاح يحمي الناس”. تلك ولّت. اليوم، الناس تحمي السلاح، وتدفع ثمنه: من حياتها، من أمنها، من مستقبل أبنائها. أي جنون هذا الذي يجعل سلاحاً غير شرعي يُخزّن بين الأحياء، كأنه سلعة مقدّسة لا يجوز المسّ بها؟
أي سلطة تسمح بذلك؟ وأي إعلام لا يجرؤ حتى على تسمية الفاعل؟
ما عادت المعادلة “السلاح يحمي الناس”. تلك ولّت. اليوم، الناس تحمي السلاح، وتدفع ثمنه: من حياتها، من أمنها، من مستقبل أبنائها
ليست هذه الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة. لقد اعتدنا أن نقول إنّ “إسرائيل تقتل”، وهذا صحيح. لكن ماذا عن من يخزّن الذخائر بين البيوت؟ ماذا عن من يقرّر أن يكون كلّ حيٍّ خزّان بارود مؤجّل الانفجار؟
من سمح بتحويل الجنوب إلى مخزن كبير للسلاح؟ ومن سمح بتحويل اللبنانيين إلى دروع بشرية لصالح محور لا علاقة له بهم ولا بأولادهم ولا حتى بمصير دولتهم؟
هل هذه حرب؟
هذه ليست “حرباً”. هذه قطيعة تامّة مع منطق الدولة. نحن لا نُحكم بسلاح مقاومة، بل نُبتزّ بسلاح نظام. وكل من يعترض، يُخَوَّن. كل من يرفع الصوت، يُسْكَت. كل من يسأل “لماذا يُخزّن السلاح هنا؟” يُقال له: “إما أنت مع المقاومة… أو مع العدو”.
لكن كفى. خلص بقى.
هل المطلوب أن نموت بصمت؟ أن نحترق بذخائر لا نعرف عنها شيئاً؟ أن نرّبي أبناءنا في مناطق مزروعة بصناديق متفجّرة، ونسمّي ذلك “كرامة وطنية”؟
لا كرامة لوطنٍ يُمنع فيه المواطن من السؤال عن سبب موته.
لقد اعتدنا أن نقول إنّ “إسرائيل تقتل”، وهذا صحيح. لكن ماذا عن من يخزّن الذخائر بين البيوت؟ ماذا عن من يقرّر أن يكون كلّ حيٍّ خزّان بارود مؤجّل الانفجار؟
نعم، هناك عدو اسمه إسرائيل. لكن لا يقلّ خطورة عن عدوٍّ يعتقد أنّ الناس مجرّد “فداء للسلاح”، وأنّ الدولة مجرّد غطاء لتخزينه، وأنّ أي انتقاد هو “طعنة في ظهر المقاومة”.
يختبئون خلف المدنيين
أي مقاومة هذه التي ترتعب من الأسئلة، وتختبئ خلف المدنيين؟ أي مقاومة تلك التي لا تتورّع عن وضع مخازنها بين بيوت الأطفال، وتسمّي ذلك “تكتيكاً مشروعاً”؟
لقد آن الأوان لنقلب المعادلة:
لا سلاح فوق حياة الناس. لا سلاح فوق الدولة. لا سلاح فوق كرامتنا كمواطنين.
فإن كانت المقاومة حقاً هي مقاومة، فلتكن في الميدان، لا في الحارات. وإن كان السلاح مقدّساً، فلتكن حياة الناس أقدس.

