في بلادٍ يعلو فيها صوت الأذان على صوت الإنسان، لا يُستغرب أن يُقتل مفكرٌ لأنه فكّر.
ذكرى اغتيال فرج فودة: رصاصة في وجه الله..في بلادٍ يعلو فيها صوت الأذان على صوت الإنسان، لا يُستغرب أن يُقتل مفكرٌ لأنه فكّر.
في مثل هذا اليوم من عام 1992، سقط فرج فودة مضرجًا بكلمة. رصاصة اخترقت عنقه، لكن ما أرادوا اغتياله به لم يكن جسده، بل عقله، وصوته، وحقّه في أن يقول: لا.
لم يكن نبيًا، ولا كان مدعيًا للقداسة. كان فقط مواطنًا بسيطًا، يمتلك جرأة النظر خلف الستائر الثقيلة التي علّقها رجال الدين حول العقول.
كتب ما رآه، وما قرأه، وما فهمه… فخرجت عليه فتاوى ما قرأت، ولا رأت، ولا فهمت.
حُكم عليه بالموت، لأنّه أراد وطنًا للجميع، لا مزرعة للمقدّسين.
سقط فرج، وارتفعت وجوههم على المنابر.
قالوا: لقد أراحنا الله منه.
والله – إن نطق – لربما قال: بل أرحتموني منكم.
نعيش منذ اغتيال فودة، حتى اليوم، في زمنٍ يتلو فيه بعض رجال الدين على المساكين:
“احذروا من السؤال، فالكفر يبدأ من الشك، والخلاص في الطاعة.”
لكنهم لا يقولون إن الطاعة هذه… ليست لله، بل لظلّ الله الذي نصبوه لأنفسهم حاكمًا ومعصومًا ومفوضًا.
لم يَمت فرج وحده، بل ماتت بعده جرأة السؤال.
صار كل من يشبهه يُلاحَق، يُخوَّن، يُعتدى عليه.
مرة بالفتوى، مرة بالشارع، ومرةً بوجهٍ ملتحٍ لا يحتمل أن يرى المرآة.
يُقال إن الرصاصة كانت في عنقه، لكن الحقيقة أن الرصاصة كانت في عنق الله.
لأن من يُقتل باسمه، يُشوَّه اسمه.
من تُكمَم الحرية باسمه، يُصبح هو ذاته سجنًا.
اليوم، حين يضربون مفكرًا، أو يُهدَّد صاحب رأي، أو يُكفَّر من تساءل،
فإن الرصاصة لم تغادر بعد.
لم تُطلق كلها.
لا تزال في يد كل مختار ظنّ نفسه مفتيًا،
وفي فم كل تابع ظنّ نفسه مؤمنًا،
وفي رأس كل شيخ يظنّ أن الله وكّله على الناس، وأن الكلمة لا تُقال إلا بإذنه.
فرج فودة لم يمت.
يمشي اليوم في ظلّ كل من تساءل،
ويبكي في صمت كل من خاف،
ويشهق في صدر كل من كُتم صوته، لأنه لم يسجّل اسمه في دفاترهم.
وفي المقابل،
من قتله، لا يزال حيًا…
بألف وجه.
بألف منبر.
بألف لحية.
وما تغيّر شيء… سوى أن الضرب صار أكثر وقاحة، والسكوت أكثر طاعة.

