كلنا يعلم ما آلت إليه الأوضاع بعد عملية مساندة غزة وما تلاها من الحرب الإسرائيلية على لبنان. فنحن أمام لجنة خماسية غير فاعلة في ردع الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على لبنان، وربما يعود ذلك لاعتبارها أن من تقتلهم إسرائيل هم إرهابيون في نظرها، ويشكلون تهديداً لها في أنشطتهم وتحركاتهم، وهذا يبقى ضمن شروط وقف الأعمال العدائية التي تم الاتفاق عليها. هذا من جهة.
ونحن أمام مقاومة لا زالت تعاني من جراح عميقة في عديدها وعتادها وأمنها المخروق من قبل إسرائيل، وفي بيئتها المدمرة التي لم تتعافَ بعد، وما زالت بيوتها مهدّمة وممنوعة من العودة إلى قراها، وترزح تحت ذلّ التهجير والعوز في هذه الأوضاع الصعبة، وغير قادرة على الرد على الاعتداءات أو القيام بعمليات لتحرير الأراضي المحتلة، إدراكاً منها بأن معادلة الردع قد تغيرت، وحفاظاً على ما تبقى لديها. من جهة ثانية.
كما أصبحت قضية تسليم سلاح حزب الله متشعبة ومرتبطة بأكثر من ملف في الداخل والخارج، منها الخلاف على تفسير الاتفاق، والسلاح الفلسطيني، والوضع في سوريا، والخوف على الوجود، وضعف الدولة، والمسار السياسي للسلطة التنفيذية في لبنان، وعدم الثقة باللجنة الخماسية والقرارات الدولية. من جهة ثالثة.
نحن أمام مقاومة لا زالت تعاني من جراح عميقة في عديدها وعتادها وأمنها المخروق من قبل إسرائيل، وفي بيئتها المدمرة التي لم تتعافَ بعد، وما زالت بيوتها مهدّمة وممنوعة من العودة إلى قراها
سياسة كسب الوقت
في ظل هذه الأوضاع الصعبة والمعقدة، والحصار المالي على حزب الله، وربط المساعدات الدولية بسيطرة الدولة وسيادتها وبتسليم السلاح، قرر حزب الله الانتظار والمناورة وكسب المزيد من الوقت، لحين أن تتغير الظروف، وتتضح مسارات السياسة الأميركية في المنطقة، وخاصة في سوريا.
في هذا الوقت تبقى يد إسرائيل مطلقة في عمليات الاغتيال والقصف والتدمير، ويتكاثر عدّاد الشهداء والعوائل الثكلى، ويمرّ قطار الزمن على قرى مدمّرة توقفت فيها الحياة، ويطول انتظار أهلها لمطابخ السياسة وقراراتها، بينما تنعم مناطق أخرى بالأمن والبناء والازدهار والتقدم، وهذا ما يخلق فوارق اجتماعية، وعدم توازن في التنمية داخل الوطن الذي طالما طالب الشعب بتحقيقها. فكتلة التنمية والتحرير انقلبت لتصبح كتلة الاحتلال والتدمير، بسبب أخطائها السياسية.
من بدأ الحرب لا يملك الحل، ويحاول رمي المصيبة على الدولة اللبنانية التي لم تشارك في صنع هذا القرار، وهو تعالى واستقوى عليها بنشوة القوة والسلاح والمال، وضرب عرض الحائط كل المناشدات الوطنية والدولية. واليوم يقابل الدعوات إلى تسليم السلاح بالتسويف، وبالأمور التي ذكرناها سابقاً. فيما يبقى الشعب هو من يدفع بالدم فاتورة بقاء الأوضاع على ما هي عليه.

