عباس حايك في عمامة أخرى

محنة عمامة

يتوكل الشيخ على قلمه، أو أنه يتوكأ عليه، بعد ضجر في صوم وصلاة وسجود، وقلّة أدعية، وكثرة استغفار، ولعنة حظ.. فيؤثر خطه العربي في سرد قصصي فاض فيه الحبر على مائتين وخمس وأربعين ورقة هرّت صفراء باكية وشاكية من شجرة رواية “محنة عمامة” الصادرة عن دار سائر المشرق، والموزعة على سبعين عنوان، والباحثة عن أذن تسمع ما أخبرت به العمّة البيضاء، من لحظة شرائها من دكان لا يبيع إلاّ قماشًا يلف رأس طالب العلوم الدينية ليقيه وجع الرأس بما حشاه من نقل دون عقل، أو عن قارىء غادر الحوزة، وما زال مفقودًا حتى الساعة، وقد بحث عنه أتراب له كفيفون، وآخرون بلا بصيرة.

إنهم الكتبة والفريسون (ص7)، وأولئك الذين يسيرون في مواكب الموتى، ويحملون نعوش بعضهم، وخلفهم جموع من القسيسين الذين يرشحون زيتًا، وتفوح منهم روائح خمر من خابية كنيسة قديمة مهجورة، وشيوع من مشايخ تصطلي دفء المقابر من برد التراب..

كانت المحنة(ص10) تابوت الفقر المكفن بأوراق التبغ الذي مضغه والدي على صغر، وأهدى زهرته لأمي ليلة عرسها، وقد فاتها أن ورد التبغ مرّ، فشمته، وخبأته في كيس صدرها، توحمًا منها على طفل يشاتل شتل التبغ طولًا في حاكورة البيت.

لم تكن المحنة مجرد محنة عائلة شظفت عيشها سنوات مرّة من تبغ الفلاحين، بل كانت رحلة (ص14) مقطوعة الذهاب والإياب… ما بين الحقل والمدرسة، أيّ ما بين ورقة التبغ وورقة الدفتر الذي اشتراه لي أبي بعد أن تفوقت في شك الميابر على إخوتي الكبار، منذ أن ولدتني أمي في موسم من مواسم القطاف، وفي حقل شرب تعب أبي رياض، ولم يشرب منه أبو رياض سوى مرارة التراب.

صغيرًا وهبتني أمي لتاجر الدين، وباكرًا باعني أبي أكثر من مرة لمسجد القرية، علّه يشتري آخرته بخدمتي اليومية للمصلين في مسح عبراتهم وعذراتهم ..

كانت الحوزة التي اختارها لي أبي شبيهة بالمسجد الذي جعلني ” وقفًا ” له، ولم أكن بعد أميز ما بين الحوزة والمسجد، فكل ما أراه هو شأن الله في خاصة خلقه.

لم أكن أعلم أن الجريمة (ص17) مفتوحة وغير مغلقة، وأن اللصوص يسكنون النصوص، فوجدت ضالتي بلصّ صغير كان يخيل إلي أنه أصدق الناس في اللسان والقلب، لم أكن متوضئًا يوم فسد وضوئي مشهد ممثل خرج للتو من خمّارة الدم، ونوّح على الصحابي الحسيني حبيب بن مظاهر، فأقنعني يومها أن السكر حلال، وأن الدم لا يُذهب بالعقل..

في الوجه الآخر(ص22)، يبدو الشيخ بلا وجه بعد أن طأطأ رأسه خشية رصاصة سماوية طائشة من بندقية شهيد، أو شاهد على وجوهنا المقنعة بألف قناع. ” سبحان من حلل ذبح النساء على فراش الشيوخ ..” كانت تفاحة نيوتن جاذبية الأرض، وكانت تفاحة الشيخ نهد بقبضة يد..

لقد تحوّل بائع التفاح إلى سمسار(ص33) ديني وحوزي. كان يبيع البيض والحليب الكامل الدسم في أسواق النساء، ويغري المرأة بسُم العسل، كي تشتري دبورًا واقفًا حارسًا على باب القفير.

كل الديوك تصيح ما عدا ديك الله (ص44)، فإنه يؤذن من دُبر، لأنه يبيض أكثر من بيضة في اليوم ..

في رواية الشيخ رواية أخرى، (ص49) أو حكاية من حكايات الواعظين وهم جنب، ولم يغتسلوا بعد لعدم توفر الماء الطهور وغير المسروق من بئرنا على غفلة من حارسه الذي يبيع ماء البئر لقرية أخرى أكثر سخيًا في دفع الأجرة على أجر الحارس المؤمن المؤتمن على مائنا، وعلى ما توفر منه في أصلابنا الشامخة.

يقول ابن سرين في رؤية الماء في الحلم، بأنها تزيل الهموم والمشاكل، وتفتح بابًا جديدًا لمرحلة جديدة مليئة بالسعادة والرخاء والنجاح في الحياة، والزواج من امرأة صالحة. لقد عرفني ابن سرين على حظيّ العاثر، منذ أن غفا الماء عنا واستيقظ الدم. وكان الواعظون على صداقة عالية مع  السحرة والمشعوذين (ص57) من مشايخ يتاجرون بالعملة الصعبة، وبأحجار القبور… ويفقهون طرق البورصة، وصعود الذهب، ونزول الفضة والحديد، ويتبادلون العملة الرقمية..

كان أبومُرة شيطانه الأليف(ص65) يقيم الجماعة في جمعة المصلين من الأبالسة الجُدُد، ويخطب فيهم داعيًا لأداء الأمانة وصدق الحديث وغض الطرف ومقاومة التجار وأهل القمار السياسي والديني، وقد دار بينه وبين كبير الشياطين(ص72) حديث شجن وشفاف كشف عن صدق الشيطان وكذب الشيخ، عن فقر أبليس وغنى رجل الدين الفاحش، عن عبادة الشياطين الخالصة لله جلّ جلاله، وعن عبادة أقوام للفرج والمعصرات، والغاسق الواقب، وما زينته الشمس والسماء، وما أخرجت الأرض من كل زوج بهيج في بلاد الهند والغرائب والعجائب..

يا أبا مُرة (ص96) تاريخنا المسحور سحر أعيننا، ومدّ ألستنا أفاع تسعى بسمومها لتأفك ما أفكت منا عصا السلطة والمرجعية، وغيبت وعينا بدورنا كعبّاد لله لا للطواغيت، يا شيطاننا المريد رجمناك بجمرات (منى)، وظننا في رجمنا رجمنا علوك وغرورك عن أمر الله وكرهك لنا، فسموت مع كل جمرة نزلت علينا وأدمت جباهنا ووجوهنا..

يضحك أبو مُرة (ص109) أكثر من مرة على الشيخ في تفقهاته، وكثرة تنقلاته وتحولاته، ويقول له: نحن معشر الشياطين أقفلنا باب الاجتهاد بعد اجتهاد أبينا في نص خلق الله، والذي أودى بنا إلى اللعن الدائم من مخلوقات هي أشيطن خلق الله، وبتنا بلا مرجعيات وبلا فتاوى، وليس فينا مجتهد أصغر أو أكبر، ولا يتوسطنا سياسي يدور الفقيه معه كيفما دار..

يا أبا مُرة هل فتح الله على أيديكم، أم فتح الله على أيدينا بكة وبلاد فارس، (ص211) ما الفتح يا شيخ الشياطين إلاّ ترّع وإغلاق لباب فتحه الله لجميع خلقه..

هنا يكمن السرّ يا لاعني (ص224) في جعل الفتح كالنكح الذي تشتهرون به.. لم تنكحوا فقط ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، بل نكحتم أممًا كاملة، ومن كل الأشكال والألوان، وما زلتم مستعرون نكحًا وقتلًا ..

هذه هويتكم الضائعة ما بين الفروج والدماء(ص244)، وهذا هو نسلكم نسل فتوحات وذبح باسم الله والأنبياء، أيعقل يا شيخ العمّة الفتنة أن يحاسبنا العاقل على كلمة قالها جدنا الأوّل معترضًا فيها على جدكم آدم كونه سيكثر في الأرض فسادًا ، وأن يصطفيكم علينا أممًا وشعوبًا مختارة ومحتارة، تدفع ببعضها البعض إلى الذبح، وقد علت أصوات بعضكم بعضًا بتكبيرة الإحرام، ليخرج الدم حلالًا من ودج يهودي أو نصراني أو مسلم تُلّ للجبين تقربًا منكم لإله الذبح.

شاقني في القراءة ما شاق الشيخ في الكتابة، حسبي منها ما احتسب في الكتاب من وصف بلغ فيه مجمع البحرين.. هذا عذب فرات سائغ شرابه، وذاك أجاج من ملح المتوسط.. كلنا نستذوق الملح على أنه سكر، ونتداوى بالمرّ كونه التمر الذي فيه الشفاء من أمراض العقل.

بعض الغفلة كثرة في الصحو..

وكثرة الصحو قلّة في الغفلة ..

وما يدريك لعلّة يزكّى…   

السابق
إضراب تحذيري لـ«رابطة موظفي الإدارة العامة» الاثنين
التالي
ويتكوف: رد حماس بشأن هدنة غزة غير مقبول على الإطلاق!