وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: سلاح استكمل دورته التاريخية..

وجيه قانصو

موجة التصعيد الاخيرة والمفاجئة التي افتعلتها قيادات حزب الله، حول رفض الحزب نزع سلاحه أو تسليمه، والوصول بهذا التصعيد إلى تكرار عبارات سابقة لأمين الحزب السابق حسن نصر الله بأن “اليد التي ستمتد إلى سلاح المقاومة ستقطع”،  هذا التصعيد فاقد أية أرضية سياسية محلية تدعمه، أو معطى إقليمي يسنده، كون التسليم أو النزع لم يعد خياراً لحزب الله، ولا متوقفاً على قرار الدولة اللبنانية، ولا متعلقاً بمطالب الفرقاء اللبنانيين المحليين، بل بات من ضرورات المرحلة الجديدة التي فرضتها متغيرات سوريا، ومن تبعات الانكسار الكاسح للحزب ضد إسرائيل، وتضمنته بنود وقف إطلاق النار، التي صممت بحسب الأمريكيين نزعاً شاملاً للسلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وفسرتها إسرائيل بضوء أمريكي مطلق حقاً ثابتاً بتدمير ما تبقى منه.

أزمة السلاح

ما ذكرناه ليس غائباً عن تقدير حزب الله للمرحلة الجديدة وفهمه لطبيعتها التي تحيل سلاحه ماضياً حتمياً.  فانخراطه في حكومة لبنانية تتبع تعليمات أمريكية صارمة ولا تألو جهداً لعودة المظلة العربية والدعم السعودي لها، إضافة إلى تمنع الحزب عن الرد على التقتيل العبثي والمهين الذي تمارسه إسرائيل بحق قادته العسكريين. كل ذلك يشي بأن الحزب ليس في وارد بقاء معادلة الدويلة داخل الدولة، أو استمرار معادلة الثلاثية المشؤومة، ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة. 

يتبدى في هذا التصعيد، ارتباك وربما انقسام داخل حزب الله، وعدم جهوزية منه في الإنتقال إلى كيان جديد لا سلاح فيه.  فالسلاح كان الاساس الذي بنى علي حزب الله مجده ورصيده الشعبي و”رعبه” الذي يفاخر به. حتى بات في معناه مرادفاً لحقيقة الحزب نفسه، ومسوغ وجوده. وهو ما يفسر الأسطرة العقائدية والترميز الديني الذي منح هذا السلاح صفة الأبد والسرمد، وبات مقرونا بالغيب المفارق لكل آني ومحدود، من قبيل كونه سلاح المهدي، وأداة صراع الحق والباطل. ما جعله سلاحاً خارج التاريخ وأحداثه، وفوق قيود الجغرافيا، وأرفع من أية متغيرات وتحديدات بشرية.  فكل شيء بنظر حزب الله يذهب ويبقى سلاحه.

هو اعتقاد انبنى على أوضاع استثنائية وشاذة ومؤقتة، فعمد حزب الله إلى إقناع نفسه وبيئته أن هذا هو الأصل والطبيعي. فصار منطق اللادولة أصل مقابل منطق الدولة، وصار سلوك الغلبة القائم على فائض السلاح  قاعدة أولية مقابل سلوك الشراكة المفضي إلى الهوية الوطنية الجامعة، وصار الغلو الديني وتضخم الخصوصية الشيعية أرضية لكل قول ثقافي أو فكري، ولم يعد الولاء لنظام ولاية الفقيه يتقدم على أي ولاء فحسب، بل صار هو الولاء الوحيد والحصري.

سلاح حزب الله بات مقرونا بالغيب المفارق لكل آني ومحدود، من قبيل كونه سلاح المهدي، وأداة صراع الحق والباطل. ما جعله سلاحاً خارج التاريخ وأحداثه، وفوق قيود الجغرافيا، وأرفع من أية متغيرات وتحديدات بشرية. 

هذه المفارقات كانت خلفية أدبياته وصياغاته الأيديولوجية وخطبه التعبوية وحتى رؤاه السياسية، الأمر الذي أسهم في تضخيم صورته عن نفسه وحقيقته، التي أوقعته في نرجسية فاقعة تسببت بعزلته عن الواقع، لا لجهة إخفاقه في التواصل مع مكوناته المتعددة فحسب، وإنما لجهة عجزه عن فهم هذا الواقع واستيعاب تحولاته ودينامياته ومكامن قوته وضعفه.

نهاية اذرع ايران

إذا كان تلويح حزب الله السابق بفائض القوة مدار استفزاز محلي وقلق إقليمي وورقة تفاوض معتبرة للنظام الإيراني ضد المعسكر الغربي، فإن الإبقاء على نفس الأداء ووتيرة الخطاب مدعاة لتندر خصومه المحليين، وذريعة يستعملها الإسرائيلي لزعزعة استقرار لبنان وإبقاءه ساحة اختبار لكل منجز عسكري مدمر، إضافة إلى انهمام المفاوض الإيراني بضمان بقاء نظامه بعدما كان في السابق يفاوض على حجم وعمق نفوذه الإقليمي، ما يشي بفقدان أذرعه الإقليمية زخمها وجدواها وجهوزيتها للإستقالة الدائمة من مهامها.

بين نرجسية ذات تعتقد أن بإمكانها كسر المستحيلات وتحقيق المحالات من جهة وعقلية استخفاف بالواقع وتجاهل لمعطياته وجهل فاضح بحقائقه من جهة أخرى، وقع حزب الله ضحية نفسه، فبات يخاف من مخاطبة نفسه بصدق، ومن النظر في المرآة التي تظهر بشفافية حقيقة واقعه.  مؤثراً التغني بماضيه ومآثره، وسيلة راحة نفسية وسكينة ذهنية،  ظنا منه أن ذلك سيوقف تدفق الزمن ويحميه من مطرقة التاريخ الذي لا يرحم من يعبث بسننه ويستهين بحتمياته.

 لكل شيء بداية ونهاية، وسلاح حزب الله استكمل، بإنجازاته وإخفاقاته نجاحاته وفشله، كامل دورته التاريخية.  والتاريخ متجه الآن، بمتغيرات المنطقة التي بدأت تنشيء قواعد لعبة جديدة بلاعبين جدد، إلى إنهاء مهمة سلاح حزب الله مع كل السرديات المترافقة معه، ماضياً وذاكرة يختلف المؤولون والمؤرخون حول الكثير من تفاصيلها. 

اقرأ أيضا: مشروع الولاية الايرانية «المقدّسة» خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء!

السابق
بري عزّى العماد هيكل بشهداء الجيش: العدوان إستباحة لسيادة لبنان
التالي
مَن يخلف البابا فرنسيس؟ وكيف يُنتخب؟