«فن الممكن» يُخرج «الحكومة الإصلاحية» الى النور!

علي الأمين
مع دخول تكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة العتيدة أسبوعه الرابع، يبدو أن منسوب التفاؤل بإنجازها ضمن المسلمات العريضة المستجدة الى حد بعيد، وإبصارها النور خلال الساعات المقبلة، بات واقعياً بعض الشيء، تحت عنوان سياسة "فن الممكن" من أجل حكومة إصلاحية، ولو مع بعض الحفاظ القدم على قدمه، للسر بتنفيذ القرار 1701، ومن دون تعطيل، تحت خطاب القسم ولا يبتعد عن الدعم العربي والدولي للبنان.

يمكن للرئيس المكلف نواف سلام، ان يدير ظهره لمطالب الكتل في البرلمان، ويشكل حكومة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويتقدم بها الى مجلس النواب، وبالتالي إن منح (المجلس) الثقة، فهذا امر يتوقعه القلة، وان رفض المجلس منحها وهو الأرجح، فان سلام يكون قد قام بواجبه كرئيس مكلف، يرفض القبول بأن يخضع للسلطة، التي تسببت بهذا الخراب الذي يعانيه لبنان.

هذا الخيار الذي يطالب به البعض من المؤيدين لسلام، ومن المعارضين لما يسمى المنظومة، ينطوي على نظرة تشير الى ان لاحكومة سيادية واصلاحية، في ظل برلمان ليس فيه اكثرية سيادية واصلاحية، ونظرة اخرى، ترى ان اسقاط سلام، هو السبيل لعودة خيار حكومة برئاسة نجيب ميقاتي.

رئيس الجمهورية هو من يتمسك بتسمية وزيري الدفاع والخارجية، فضلا عن تمثيل سليمان فرنجية بوزير في الحكومة

على ان هذا الخيار، لا يمتلك سلام شروط تحقيقه، فرئيس الجمهورية يبقى شريكا في عملية التشكيل، وبالتالي لا يستطيع الرئيس المكلف، ان يدير ظهره لمطالب الرئيس ونصائحه، والرئيس عون نفسه يتبنى منح وزارة المالية ل”حركة أمل”، وكذلك فان رئيس الجمهورية هو من يتمسك بتسمية وزيري الدفاع والخارجية، فضلا عن تمثيل سليمان فرنجية بوزير في الحكومة، وبالتالي فان سلام معني بالتفاهم مع الرئيس، لادارة منسجمة للحكومة في المرحلة المقبلة، وتشكيل حكومة قادرة، على ان تنفذ سلة من الاجراءات المتصلة بتنفيذ القرار ١٧٠١، وتعيينات امنية وعسكرية وادارية ودبلوماسية، وخطوات اصلاحية تمهّد لانتخابات نيابية، في موعدها العام المقبل.

اختار سلام الدخول في عملية تفاوض مع الجميع، تنطلق من واقع مستجد، وتوازنات سياسية داخلية، حدّت من قدرة “حركة امل” و”حزب الله” على التحكم بمفاصل محورية في الدولة، واعلن التزامه بعدم وجود ثلث معطل، ورفض ان يكون التمثيل الشيعي كاملا ل”الثنائي المذهبي”، وأصرّ ان لا تكون حكومة محاصصة، فيما بقيت وزارة المالية محل جدل، في وقت اعطى رئيس الجمهورية ضمانات للرئيس المكلف، بأن لا تكون وزارة المالية عقبة، او مصدر تعطيل لقرارات الحكومة، من دون ان تتضح طبيعة هذه الضمانات، التي كان رئيس الجمهورية حاسما بشأنها.

يقع تنفيذ القرار ١٧٠١ بكامل مندرجاته، في سلم اولويات الحكومة

في القراءة السياسية لمهمات الحكومة المقبلة، يقع تنفيذ القرار ١٧٠١ بكامل مندرجاته، في سلم اولوياتها، وهذه المهمة تستجيب للاتفاق الذي ابرم بقرار فرنسي اميركي، وافقت عليه حكومة الرئيس ميقاتي، بإيعاز من الرئيس نبيه بري و”حزب الله”.

من هنا تشير مصادر متابعة لمسار تشكيل الحكومة، ان “عرقلة تشكيل الحكومة، يعطل مسار تنفيذ هذا القرار، ويحول دون وضع الدولة على سكة الاصلاح”، مشيرة الى ان “القرارات الموضوعة على طاولة الحكومة المزمعة، هدفها تحرير الدولة من سطوة الميليشيا”. كما تلفت الى ان “تعيين حاكم مصرف لبنان جديد، ليس لصالح “الثنائي”، والتعيينات الامنية والعسكرية لن يكون ل”حزب الله” اي تأثير فيها، بخلاف ما هو قائم حاليا”.

السلطة القضائية، سوف تتحرر من هيمنة، نجحت في تعطيل تحقيقات المرفأ، كل ذلك وسواه

فالتشكيلات الدبلوماسية الاخيرة، تمت بشراكة بين “التيار الوطني الحر” والرئيس بري، اما المرتقبة، فلن تكون كما كانت، والاهم ان السلطة القضائية، سوف تتحرر من هيمنة، نجحت في تعطيل تحقيقات المرفأ، كل ذلك وسواه، سيكون على وقع توازن سياسي جديد ووصايتين هما، لجنة خماسية داخلية بأرجحية عربية، ولجنة خماسية دولية، معنية بمتابعة تنفيذ القرارات الدولية.

هذه المهمات التي يدرك “حزب الله” انها ستستكمل عملية تحديد نفوذه على مستوى الدولة، وتحجيم دوره في التحكم بالقرارات السيادية والسياسية والامنية، يعمل من اجل ترسيخ وضعية حكومية، تبدأ من خيار تمديد ازمة تأليفها اولا، وفي حال تأليفها العودة الى صيغة حكومية، يتكون اعضاؤها من قواعد اللعبة السياسية القديمة، التي يمكن التأثير والتحكم اكثر بقراراتها، من اي فريق جديد يصعب التحكم به، او التأثير على قراراته، كأن يكون رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وليس نواف سلام، بين الاثنين، لن يتردد “حزب الله” بالتشبث بميقاتي.

المطلوب من الرئيس المكلف، ما هو ممكن ومفيد، اي ما يخرق قواعد سابقة، كانت مصدر تعطيل للحكومات السالفة

في المقابل، يمكن ملاحظة ان النقد الذي يتعرض له الرئيس المكلف، من قبل الجهات التي تبنت تكليفه وسمته، ينطلق من اعطاء وزارة المالية لشخصية يسميها الرئيس بري، ومن عدم مساواة الفريق الذي سمى سلام بالفريق الذي عارضه، اي ان سلام أعطى معارضيه اكثر من مؤيديه، فضلا عن اعتراضات نيابية سنية، اعتبرت سلام مصادرا للتمثيل السني، او مهمشا للطائفة نفسها، وهو ان كان فيه شيء من الصحة، الا انه يتغافل على ان هذا الفريق هو من انتخب جوزاف عون رئيسا للجمهورية، مدركا انه من خارج منظومة السلطة الحالية، كما هو الحال ايضا بالنسبة للرئيس المكلف، اي ان اختيارهما يفترض ضمنا اعطاء حيّز لهما، يتيح عدم الخروج على قواعد اساسية، هي من صلب خطاب المؤيدين لعون وسلام، اي عدم وجود ثلث معطل في الحكومة، عدم احتكار التمثيل الشيعي بالثنائي، ووجود حكومة فيها حدّ من الانسجام، يتيح لها البدء بتنفيذ قرارات سيادية وسياسية، محليا وخارجيا.

المطلوب من الرئيس المكلف، ما هو ممكن ومفيد، اي ما يخرق قواعد سابقة، كانت مصدر تعطيل للحكومات السالفة، وترسيخ سلطة المافيا والميليشيا فيها، وهذا يتطلب ايجاد قاعدة انسجام بين الرئيسين في ادارة الحكومة، بما يلبي قدرة على العمل من جهة، ومن جهة ثانية حيازة ثقة عربية ودولية، كفيلة بدفع الحكومة، نحو اجراءات تساعد على استكمال تنفيذ القرار١٧٠١، والدفع نحو استنقاذ الدولة ومؤسساتها، وصولا الى الانتخابات النيابية.

حكومة فيها جرعة من الاصلاح، بلا ثلث معطل ولا ميثاقية برئاسة سلام، هي فرصة يمكن البناء عليها

تبدو فرصة تشكيل حكومة برئاسة نواف سلام مع رئيس جمهورية طامح للاصلاح، سيوفر فرصة لاحداث شرخ بين تحالف المافيا والميليشيا، ذلك ان “حزب الله” لم يحكم قبضته على السلطة، من دون مساعدة شبكة مافياوية، قايضت الولاء لسلطة الحزب، مقابل تسيير منافعها في نهب الدولة، هذا التحالف المركب، تشكِّل المصارف احد اعمدته، الى جانب نظام المحاصصة في الادارة العامة والمؤسسات العامة، والقضاء عماده الثاني.

حكومة فيها جرعة من الاصلاح، بلا ثلث معطل ولا ميثاقية برئاسة سلام، هي فرصة يمكن البناء عليها، بخلاف حكومة محاصصة، يحكمها التسويف والتعطيل او ازمة حكومية مديدة.

السابق
عون: نتطلّع لوقوف الاتحاد الأوروبي إلى جانبنا وإطلاق الأسرى في إسرائيل
التالي
خاص «جنوبية» بالصور: سلام في بعبدا وهذه هي لائحة اسماء وزراء الحكومة المنتظرة