الدَبْكِة والشمبانيا في مِعراب في لبنان، اما التانغو الجنبلاطية الفردية فمع “السلطة” السورية الجديدة الانتقالية المرحلية، تانغو جنبلاطية حطَّت في دمشق، مُسَوبقة الجميع في نفس يوم وصول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان! كنا نتوقع زيارة البيك الى الحكيم، التي كان يمكن ان يكون فيها افادة، فاذا به “يُكوِّع” على الشام بهذه الطريقة!
١. صباحاً قبل صعودي الى الكنيسة لقيادة الترتيل في خدمة صلاة السحر والقداس الإلهي للأحد الذي يسبق ميلاد السيد المسيح، له المجد وحده، كتبت تأمل سريع وهو يبدو لي عنوان يُلخِّص المرحلة، وهو يقول “في ضرورات القراءة غير السَطحية والتَسْطِيحِيَّة في زمن “المَكْيَجِة الفكرية”! في ضرورة الكلام الجالس المُستقيم، في زمن اعوج كثرت فيه الاعوجاجات على انواعها، وهي تتفشَّى بسرعة في عقول الكثيرين في لبنان وسوريا على السواء.
كنا نتوقع زيارة البيك الى الحكيم، التي كان يمكن ان يكون فيها افادة، فاذا به “يُكوِّع” على الشام بهذه الطريقة!
٢. في زمن كل التكويعات، المصلحية او الإستلحاقية، اذا تكلمت هكذا، ووضعت نقاط على الحروف، في تحليل فيه عناصر مع وعناصر ضد، “بيطلعلك مين يُصنِّفك بعلبة box” ويقول لك: لا انت “مع” او انت “ضد”، في حين، لكونك كنت ولا تزال حُرْ ومُستقيم، لم تكن مرة لا “مع” ولا “ضد”، ولا تابِع ولا مُتحزِّب! الا يمكن ان يكون الانسان الواعي الموضوعي الباحث عن الحق والحقيقة، لا مع ولا ضد ويعمل ويجهد من خارج عِلَبْ اللعبة المتحزبة المزيفة, والمفسدة لكل شيء في هذا الشرق؟! بل ان يكون حرا ومستقيما ينبري ضد التسطيح والتبسيط القاتل، يقرأ بحيثيات الحدث العميقة وأبعاده ومسبباته، ما فيه وما عليه، في موضوعية؟! طبعاً، التمييز ليس سِمة المرحلة عند الكثيرين. فزمن “المكيجة الفكرية” يَصطاد الكثيرين ويوقعهم في شباكه، ليس فقط من عامة الشعب، بل من بعض، بل الكثير،.من النِخَب ايضا!
الا يمكن ان يكون الانسان الواعي الموضوعي الباحث عن الحق والحقيقة، لا مع ولا ضد ويعمل ويجهد من خارج عِلَبْ اللعبة المتحزبة المزيفة
٣. طبعا المُراقب الموضوعي، يقرأ بالعمق، فيتحفَّظ، ولا يضع عناوين وتعريفات طنانة في غير محلها، لا بل مناقضة لواقع وحيثيات معروفة وموثقة، بل يحلل التطورات في أبعاد اسبابها الموجبة والاهداف، ولا ينصاع الى افخاخ عمليات المَكْيَجَة الفكرية، التي نعرف كيف تعمل وشهدنا على افعالها في جيورجيا وصربيا واوكرانيا وغيرها.. اما المُعلِّق دون دسامة فكرية، فيغرق في التسطيح، فيُرافق الحدث من عمق التسطيح، وما اكثرهم في هذه الايام ويتبنى عناصر عملية “المكيجة الفكرية” الكبيرة، الجارية ليس فقط في سوريا اليوم، والشرق الاوسط، بل في العديد من نقاط التماس بين القوى المُتصارعة على شطرنج العالم، وفي العلاقات الدولية والجيوسياسية اليوم!
المُراقب الموضوعي، يقرأ بالعمق، فيتحفَّظ، ولا يضع عناوين وتعريفات طنانة في غير محلها، لا بل مناقضة لواقع وحيثيات معروفة وموثقة
٤. طبعا التسريع، هو سيِّد الموقف في كل الملفات، وفي كل الابعاد، وعلى كل الجبهات. والكل في سوريا اليوم، وفي خارجها، على حماوة فكرية تُسقط غشاوة على اعين التمييز والبصيرة، و الكل على سرعة فيها تسرُّع قد يكون الخوف والقلق من التغيير الدراماتيكي هو مسببها، وانا أشرت الى هذا التغيير منذ تموز ٢٠٢٤، في مقالتي في النهار وانه سيكون كبيرا، فيُبادر الكل الى ديناميكية إستلحاق وتكويع وركب الموجات، لكي لا يفوته القطار العابر بسرعة ويُهدد بالمَعْسْ الكثيرين.
إقرأ أيضا: شينكر: إيران الخاسر الأكبر وفرصة لكسر احتكار «الحزب»
٥. مِن ضمن عمليات التسريع والتسرُّع المتكاثرة هذه الايام، لا بد من التساؤل حول سر التسريع الجنبلاطي، الذي يطرح علامات استفهام بالشكل والمضمون الذي تم فيهما. يوم قبل الزيارة، شرح مُستفيض من النائب بلال عبدالله صدر في موقع “جزين تحكي” “يكشف فيه هدف زيارة جنبلاط لسوريا” ويجعلك تشعر، بالرغم من انه يقول ان على لبنان الرسمي ان يلتزم هذه الملفات، ان هناك عملية تسريع من قبل بعض القيادات التقليدية اللبنانية (وبعض من هذه القيادات كان سابقا مع النظام الذي تبرأ منه اليوم) دون الاخرى لضبط ملفات العلاقات المشتركة، وكأن جنبلاط يسعى ان يكون هو “عرّاب” هذه المرحلة السورية اللبنانية الجديدة!
الكل في سوريا اليوم، وفي خارجها، على حماوة فكرية تُسقط غشاوة على اعين التمييز والبصيرة
٦. أليس هذا تسرُّع بغير محله وخطير في توقيته؟ بالأخص قبل ان يُبرمج اللبنانيون بين بعضهم البعض هذه الملفات وتنقيتها، عددا وعدة وعتيدا واشخاص، اكان لجهة تنقية الماضي، ومحاسبته، ام لجهة ارساء علاقة جديدة في المستقبل؟ لا بل اكثر من ذلك، وفي حين تعلو اصوات قيادات لبنانية سيادية معارضة طالبة، عم حق، إلغاء المعاهدات التي فرضتها سيطرة النظام السوري السابق على لبنان، ها النائب الجنبلاطي يقول، بموقف مُتمايز ومُتناقض مع مواقف المعارضة السيادية اللبنانية، “ان المعاهدات المشتركة بين لبنان وسوريا ستكون اساسا مهما لمزيد من التعاون بين الحكومتين في المستقبل القريب”، مشيرا الى “انه سيكون هناك ورقة عمل مشتركة حول هذه القضايا”.
لا بد من التساؤل حول سر التسريع الجنبلاطي، الذي يطرح علامات استفهام بالشكل والمضمون الذي تم فيهما
٧. اليس من حق اللبنانيين السياديين ان يسألوا سعادة النائب عبدالله: من يعمل على هذه الورقة هل القوى اللبنانية جميعا متوافقة على تحضيرها وتوقيتها وعناوينها؟ هل نحن امام تهريبة جديدة، وفرض امر واقع جديد، قبل انتخاب الرئيس وانتظام عمل المؤسسات الدستورية اللبنانية، وتشكيل حكومة سيادية نقية لا فساد فيها، ولا مفسدين لوضع كل هذه الملفات بانتظام, وضمن اطر الدولة الوطنية والمؤسسات الشرعية الدستورية كيف نتغني بقيام الدولة الوطنية في لبنان ومؤسساتها الدستورية, ونُسوبق بهذه الطريقه على عملها؟
هل نحن امام تهريبة جديدة، وفرض امر واقع جديد، قبل انتخاب الرئيس وانتظام عمل المؤسسات الدستورية اللبنانية
٨. هل يليق بمنطق سيادية الدولة اللبنانية، وبقامة سيد المختارة ان يقف هكذا و “يقدم مذكرة مطالب” (كما عنونت بعض المواقع) في سورية للسلطة الجديدة هل هذه السلطة هي الباب العالي الجديد لنقدم لها مذكرة مطالب؟ اليس من الأحق والاجدر ان يتباحث جنبلاط مع القوى المعارضة اللبنانية السيادية اولا، ويُجري حوار مع قوى الموالاة ايضا، ليكون هناك مذكرة لبنانية واحدة جامعة وخطة طريق واحدة يقررها ويتبناها ممثلو الشعب اللبناني الحقيقيين ، وليس مكون حزبي من مكوناته؟
٩. هل عدنا الى الحج الى سوريا، حج المكونات اللبنانية؟ حذار ان يذهب هكذا وبهذه الطريقة قيادات اخرى، بالأخص الحكيم، الى “هكذا محج” يضر بلبنان وبسوريا “المتجددة” (وليس الجديدة، سوريا الأزلية مثل لبنان الأزلي هي هي) التي نريدها، كما نريد للبنان, ان تكون دولة وطنية دستورية مدنية علمانية ديمقراطية، تفصل الدين عن الدولة دون فصله عن المجتمع، يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات، تساوي الرجل والمراة بالتمام، تحفظ الحريات جميعها، وليس مجموعة فصائل تُنشئ سلطة، سلطة امر واقع، و لا ترتقي، الا بالكلام الى الان، الى مستوى الدولة الوطنية الدستورية الحقة.
هل يليق بمنطق سيادية الدولة اللبنانية، وبقامة سيد المختارة ان يقف هكذا و “يقدم مذكرة مطالب” في سورية للسلطة الجديدة هل هذه السلطة هي الباب العالي الجديد لنقدم لها مذكرة مطالب؟
١٠. هل التسريع الجنبلاطي هو رؤيويّ، هل هو تسرُّع وتسريع وهروب الى الامام، هل هو تعبير عن قلق درزي أقلَّوي، يُحاول سريعا ان يستجلب حماية جديدة من اسياد الشام الجدد من منظار اقلَّوي، هل امسى جنبلاط على نفس الموجة مع اردوغان، عرَّاب السلطة الجديدة في سوريا التي تسعى لتصير نظام جديد، وما ابعد السلطات والانظمة، انظمة الامس واليوم، عن منطق وركائز الدولة الوطنية الدستورية التي نريدها للبنان ولسوريا؟
إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: اي لبنان بعد زوال «سوريا الاسد»؟
١١. السوبقة الجنبلاطية تبدو جلية منذ ايام، من ترشيح العماد قائد الجيش، منفردا دون اسراب المعارضة اللبنانية السيادية، ثم السوبقة في الحج المُتسارع الى الشام، الدبكة في معراب، والحج جنبلاطي في دمشق، غريب امر اللبنانيين، رقصة الدبكة بمعراب، اما رقصة التانغو الجنبلاطية ففي دمشق!
السوبقة الجنبلاطية تبدو جلية منذ ايام، من ترشيح العماد قائد الجيش، منفردا دون اسراب المعارضة اللبنانية السيادية، ثم السوبقة في الحج المُتسارع الى الشام
١٢. هل هذه السوبقة الجنبلاطية هي لاسباب درزية اولا، يحاول ان يكسر فيها على اخصامه الدروز، اي بني وهاب وبني ارسلان، ليقول لهم: اليوم، الامر لي، ما اقوم به في دمشق ليس بمتناولكم؟! وهذا مشايخ السويداء يمنعون وهاب وارسلان من المجيء الى سوريا! هل يُسوبق ثانيا، لاسباب شيعية ليقول لحلفائه من الثنائي الشيعي، انتم بحاجة لي اليوم اكثر من قبل، فمساحتي امست أوسع من مساحتكم، ما استطيع ان اقوم به في دمشق لم يَعُد وليس بمتناولكم، وهل ذهب الى الشام بتفويض من الثنائي، هل يُسوبق جنبلاط أيضاً مسيحيا، ليُحاصِر الحكيم والقوى المُعارضة المسيحية، فيقول لهم، انني الرقم الصعب في السلطة الجديدة في دمشق وبيضة القبان في لبنان، وانا اصنع الرئيس؟! كأنه يقول لهم انا لست مُحاصَراً، بل انتم محاصرون، داخليا وعلى الجهة السورية، وإلا كيف نفهم ان يرشح هو اولا العماد جوزاف عون، بالرغم من اننا نرى ان للأخير بالطبع كل مقومات النظافة والقيادية ليكون رئيس المرحلة،هل يقول جنبلاط للجميع، عبوركم سيكون من بوابتي او لا يكون؟!
في الختام، ما هذا التسريع والتسرُّع؟ فالمعروف ان التانغو رقصة إلتحامية فيها خطوات الى الامام، خطوات الى جنب، وخطوات الى الوراء، وثم الإعادة، الى ان يصبح الجسدين جسد واحد، والفراشتين فراشة واحدة. ما هذا التسريع الذي يثير الكثير من الاسئلة والتناقضات؟ فاحيانا نشعر ان بيك المختارة هو على حداثة وموضوعية وحكمة، عندما تركن الى قراءاته الكتبية، وهذا ما كنت اتحدث به مع الحبيب غسان تويني، واحيانا اخرى تراه في هذه المشهدية الاسترجاعية التقليدية اليوم في الشام حيث ترافقه عباءات الزعامات الدرزية وعباءات ممثليهم الدينيين، والتي تذكرنا ايضا بصور في محجات سابقة لنفس الاشخاص في والى ديار الشام!
ما هذا التسريع الذي يثير الكثير من الاسئلة والتناقضات؟
غريب امر اللبنانيين ، لا يزالوا يرقصون على قبورهم مع نفس القيادات منذ أربعين سنة، طبعا زعماء الطوائف الطائفة على بعضها البعض، لا يزالوا في هذا التجاذب القاتل للبنان الحلم، وفي هذه السيطرة على ماضي الشعب وحاضره ومستقبله، وهم يعيدون انتاج ذاتهم من جديد، وهم هائمين على سطح موجات التغيير التي تعصف من حولهم. اما النخب اللبنانية، فحدث ولا حرج، تائهين بين مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج التوك شو، وامسوا جمعيهم اختصاصييين بالجيوسياسية العالمية، ولا قدرة لهم على اي تغيير.
فمعادلة ذهاب القيادات التي اوصلتنا الى الخرائط تحت شعار “كلن يعني كلن”، امست من جديد ضرورة بقائهم “كلن يعني كلن”، و منظومة المحاصصة والفساد التي تحضر اعفاءات عامة للجرائم المالية وغير المالية، ما زالت مسيرة لكل شيء في هذا البلد. ولا احد يهتم بمصلحة الشعب اللبناني وكرامة عيشه ومستقبل اولاده.
إقرأ أيضا: الحكومة الإيرانية: مباحثات دبلوماسية لإعادة فتح السفارتين في دمشق وطهران
كيف نُعلي الصوت من فوق السطح اننا لا نريد ان تتدخّل سوريا في لبنان، ولا نريد للبنان ان يتدخل في سوريا، في حين نهرول الى سوريا، حيث لم يستقر بعد غبار المعركة الاخيرة، وحيث لا مشروعية دستورية بعد من قِبَل الشعب السوري للسلطة التي استقرت في قصر الرئاسة بالقوة؟ وكأننا ذهبنا الى الشام، قبل ان يقول الشعب السوري الشقيق الحبيب كلمته، من خلال انتخابات نزيهة وديمقراطية، ذهبنا الى مبايعة زعائمية قبل قول الشعب؟
كيف نُعلي الصوت من فوق السطح اننا لا نريد ان تتدخّل سوريا في لبنان، ولا نريد للبنان ان يتدخل في سوريا، في حين نهرول الى سوريا، حيث لم يستقر بعد غبار المعركة الاخيرة
كنا نتوقع من بيك المختارة، طرق للتوثب الى الامام، بالأخص بعد درس ٢٠١٩، اي الى مناهج الدولة الوطنية الدستورية، فاذا بنا نسترجع مناهج الماضي ومبايعاته الزعائمية.
لا سقف يعلو على سقف الارزة، فليعُد الجميع الى هذا السقف، فعلاً وليس فقط قولاً!

