لا يكل ولا يمل “عميد” الصحافيين الميدانيين في الجنوب أحمد منتش (70 عاماً) عن العمل، الذي شق طريقه إلى مهنة المتاعب قبل نحو 50 عاماّ. مع كل يوم من يوميات التغطية الميدانية، يشعر أحمد بأن محراب الكلمة والصورة، ما يزالان بحاجة إليه على تراب الجنوب، الذي ينتمي إليه منذ ولادته في بلدته جبشيت.
تخال أحمد منتش، وهو يتنقل في هذه الأيام، من الناقورة إلى الضهيرة وعيتا الشعب وبنت جبيل ورميش وحولا وكفركلا وميس الجبل، وصولا الى مرجعيون وكفرشوبا وكفرحمام وشبعا، من دون أن يغفل او يتجاهل عمله الذي خبره جيداّ وإعتاد عليه في صيدا وعين الحلوة، أنه يبحث عن إكتشاف جديد، في سر أرض الجنوب التي عشقها، وخبر ناسها ومناضليها ومقاوميها، بكل ألوانهم الحمراء والصفراء والخضراء، منذ العام 1976.
يستسهل أحمد منتش طرق الجنوب، ويحفظ كغيره من غالبية الصحافيين، أسماء التلال والمرتفعات، التي كان في مراحل زمنية منها مرابضاّ فيها مدافعاّ عن الجنوب بالسلاح قبل الكلمة.
يستسهل أحمد منتش طرق الجنوب ويحفظ كغيره من غالبية الصحافيين أسماء التلال والمرتفعات التي كان في مراحل زمنية منها مرابضاّ فيها مدافعاّ عن الجنوب بالسلاح قبل الكلمة
قادت حزبية أحمد، في بداية شبابه، بعد إنتقاله من جبشيت إلى صربا والرميلة وصيدا، إلى العمل في جريدة “النداء”، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني، حيث عمل فيها لغاية العام 1982، وهو تاريخ الإجتياح الإسرائيلي للبنان، لينتقل بعدها إلى جريدة “النهار”، التي ما يزال صامداّ بها وفيها إلى الآن، حيث لا يبخل عليها بالكمات والصور، التي تظهر مخلفات العدوان الإسرائيلي، وأحوال وصمود ومعاناة أبناء القرى الجنوبية وخاصة ابناء المنطقة الحدودية، الواقعة على تماس مباشر مع فلسطين المحتلة.
قبل هذه الحرب الدائرة على أرض الجنوب، عرف أحمد منتش أحوال الكثير من البلدات قبل الإجتياح الإسرائيلي في العام 1978، فتنقل بين صور وصيدا وقلعة الشقيف، لتغطية زيارات الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي الشهيد جورج حاوي، والرئيس السابق للحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط وآخرين.
لا يغيب عن بال منتش بعض عائلات بلدة حانين، التي هٌجر أهلها ودمرت بيوتها عن بكرة ابيها العام 1976 على يد الإحتلال الإسرائيلي وعملائه.
ويصف مشهد إنتقال عدد من الأهالي من حانين إلى تبنين بأنه “يدمي القلب”، وقال ل”جنوبية”: لم يغادرني المشهد ابداّ، فكانوا يجرون جمالهم في نزلة صف الهوا باتجاه بلدة كونين، فالتقطت صوراّ محملة بالمأساة وألم التهجير .
ترك الإجتياح الإسرائيلي الأول في آذار العام 1978، جرحاّ بالغاّ في ذاته”.
لكنه لم يتراجع عن اداء مهمته الصحافية، فواكب مجيء اول دفعة من قوات الأمم المتحدة” اليونيفيل”، إبتداء من منطقة الرميلة الشوفية وحتى ضواحي صور .
إقرأ ايضاً: «صراع نفوذ» بالرصاص بين «أمل» و«حزب الله» من الجنوب الى الضاحية..و«حماس» تنعى مفاوضات غزة!
وعن هذه المحطة الرئيسة في تغطيته الصحافية، أشار منتش، الى أنه “أثناء توجهه إلى صور برفقة صحافي أرمني، صادف عائلة صورية آتية من منطقة صيدا إلى مدينتها الأم، صور، وعندما طرح السؤال على رب الأسرة وهو من آل قرعوني، لماذا تعود إلى صور والقصف “شغال”، فبادره “الموت في صور أهون من الذل”.
وتابع “:أثناء عودتي إلى صيدا، حيث كنت أقيم، إستوقفنا حاجز للقوات المشتركة، وكان متواجداّ على هذا الحاجز في منطقة العاقبية الرئيس ياسر عرفات ” أبو عمار، الذي كان يشرف على إعادة المسلحين، الذين تركوا المناطق التي إحتلتها إسرائيل”. كما لا ينسى منتش جولاته اليومية في تلك الفترة مع زملاء له في صيدا الى الجنوب، ومنهم أحمد الغربي ونزيه النقوزي والمرحومين عبد الغني الجردلي ومحمد الأسد وغيرهم من الزملاء على إمتداد الجنوب.
تمكن منتش من إلتقاط صور من مسافة قريبة نسبياّ لمقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في منطقة جل البحر على مدخل صور الشمالي الذي تبنى عملية تدميره “حزب الله” بتفجير إنتحاري
غطى أحمد منتش، وهو واحد من الصحافيين القلائل، لا بل الوحيد من ذلك الجيل، الذي يواصل عمله الصحفي الميداني، بين ركام القرى وبلدات الجنوب، الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982، وتمكنه من إلتقاط صور من مسافة قريبة نسبياّ، لمقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في منطقة جل البحر على مدخل صور الشمالي، الذي تبنى عملية تدميره “حزب الله”، بتفجير إنتحاري، نفذه الشهيد أحمد قصير، لكنه بعد فترة من هذا التاريخ إعتقله جيش الإحتلال الإسرائيلي، من داخل منزل والديه في جبشيت، حيث كان يتواجد مع زوجته وابنتهما مايا، وزج به في المعتقل المؤقت في الريجي في كفررمان في النبطية ل 27 يوماّ.
وبعد خروجه غادر جبشيت واستقر في صيدا، وكتب في جريدة “النهار” مقالة، عن كيفية حصار جبشيت والقمع الإسرائيلي وعن أوضاع وظروف المعتقلين في الريجي و أنصار.
لهذه الحرب المتواصلة جنوباّ، التي شهد مثلها الكثير على أرض الجنوب، وجه آخر، وإنطباع مختلف عند أحمد منتش، حيث يترك كل يوم صورة مختلفة في ذاكرته وكاميرته، فيقول “أحس بتقصير، عندما لا اتوجه إلى القرى الحدودية، لتغطية آثار العدوان وتشييع الشهداء، ومن بينهم شهداء كنا نلتقيهم في جولات تسبق إستشهادهم، فيتركون أثراّ بالغاّ، أو أشخاص تناولنا في دورهم الفسيحة المليئة بالكرم الطعام، فنعرف بعد يوم أن بيتهم أصبح ركاماّ ولم تبق فيه سوى الذكريات”.
منتش: أحس بتقصير، عندما لا اتوجه إلى القرى الحدودية، لتغطية آثار العدوان وتشييع الشهداء ومن بينهم شهداء كنا نلتقيهم في جولات تسبق إستشهادهم
أكثر ما يؤلم أحمد منتش، الذي فقد وحيده كريم، الطالب في جامعة الحكمة، في حادث سير مؤلم على طريق عمشيت، وعدم تمكنه من الحفاظ على الحياة الزوجية، وسرقة مهنه المتاعب رغبته في متابعة الدراسة الجامعية، وأيضاّ تغطية الحروب الدامية بين الإخوة في المخيمات وإقليم التفاح وغيرها من المناطق، ومغادرة أشخاص كثيرين عايشهم عن قرب من مناضلين وسياسيين، ولا يزال الأحب على قلبه الذين رحلوا، الشهيد مصطفى معروف سعد والعلامة السيد محمد حسن الأمين والخوري حنا الحلو وآخرين.


