مازال لبنانُ، وشعبُه ومؤسساتُه، يدورون في حلقة عبثية مفرغة، اللبنانيونَ لم يعودوا يطالبونَ بحقوقِهِم كبشر، ولا كمواطنين في دولة، من المفترض أن تنتظمَ فيها الحقوقُ والواجباتُ…
في القرن الواحد والعشرين، حقوقُ الإنسانِ، ايِّ انسان، قد تم التسليمُ بها في كلِّ دُوَلِ العالم، وأصبحت من قِيَّمِ هذا العصر ومعاييره، وعلى سبيل التذكير فقط، فإن حقوق الإنسان تتمثل بميادين متنوعه؛ الحقّ في التعبير والتجمع السياسي والإنتخاب لمن يمثِّلَهُ في هيئات الحكم المحلي، والنقابات المهنية والبرلمان، وصولا الى حقه بالمساءلة ومحاسبة ممثليه على ممارساتهم وأدائهم.
هذا المجلس يجتمع بمهمة تشريعية لتأجيل الانتخابات البلدية وذلك من أجل تمكين أحزاب المنظومة من الاحتفاظ بأنصار يوالونهم ويسيطرون على المجالس البلدية
ما يحدث اليوم في لبنان يتعدى ايَّ منطقٍ او مِعيار، فالمجلسُ النيابي الذي فشل بانتخاب رئيس للجمهورية، وتهربت اكثريتُه من تطبيق الدستور، والانعقاد كهيئة ناخبة، لا ينفرط عقدها، على دورات انتخاب متتالية، حتى يتِمَ انتخاب رئيس الجمهورية، هذا المجلس يجتمع بمهمة تشريعية، لتأجيل الانتخابات البلدية!، وذلك من أجل تمكين أحزاب المنظومة، من الاحتفاظ بأنصار يوالونهم ويسيطرون على المجالس البلدية، وبخاصة التيار العوني، ومنع الناس من ممارسة احتمال تغيير المجالس البلدية وتجديد أعضائها…
أما نقابة محامي بيروت، التي شكلت نقابة مدافعة عن الحريات العامة، خلال تاريخ طويل من عمر لبنان، والتي شكلت منصة للدفاع عن العدالة وتطبيق القانون وإحقاق الحق، فقد قامت اليوم بتقييد حرية اعضائها، ومنعهم من الاشتراك او المساهمة بأي نشاط إعلامي، بما يُحوِّلهم من أعضاءَ في نقابةِ مِهنةٍ حُرَة، الى ما يشبه الموظفين لدى نقيبهم، يأذَنُ لهم ليدلوا بما عندهم، ولعل ما يزيد من خطورة قرار مجلس النقابة وسوئه، انه استهدف المفكرة القانونية والمحامي نزار صاغية، اللذين اطلقا مبادرات قانونية وعدلية من اجل استقلالية القضاء، وكان لهما دورٌ لافتٌ في الدفاع عن ضحايا المرفأ وأصحاب الودائع في المصارف…
وتحتوي لائحة حقوق الإنسان أيضا، الحق في العمل والأجر العادل والخدمات العامة، في النقل والطاقة والاتصالات، وغيرها من المعاملات الرسمية الادارية والمالية.
ارتفع معدل البطالة في لبنان من 11,4 في المئة في الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2019 إلى “29,6 في المئة في كانون الثاني ٢٠٢١
ويتبدى انهيار كل هذه الخدمات صارخا ومستمرا خلال عشرات الأشهر الماضية، ففرص العمل في تقلص مستمر، بعد انكماش “الناتج المحلي القائم” اكثر من ٦٠%، منذ انفجار الأزمة، وارتفاع معدل البطالة نحو ثلاثة أضعاف جراء الانهيار الاقتصادي، وفق مسح جديد أجرته الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، ونشرت نتائجه في نهاية سنة ٢٠٢٢، فقد أوردت إدارة الإحصاء المركزية في لبنان ومنظمة العمل الدولية في بيان صحافي ما يلي؛ “ارتفع معدل البطالة في لبنان من 11,4 في المئة” في الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2019 إلى “29,6 في المئة في كانون الثاني ٢٠٢١.
وعلى وقع الأزمة، فقد عشرات الآلاف من العاملين في القطاع الخاص وظائفهم، او جزءاً من مصادر دخلهم. واختار اختصاصيون وشباب كثر طريق الهجرة خلال الأعوام الماضية.
ويترافق ذلك مع شلل سياسي، يحول دون اتخاذ خطوات إصلاحية، تحدّ من التدهور وتحسّن من نوعية حياة السكان، الذين يعيش أكثر من ثمانين في المئة منهم تحت خط الفقر.
وبحسب تقرير صدر في نهاية ٢٠٢٢، عن المقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أوليفييه دي شوتر حول لبنان، “يجد تسعة من كل عشرة أشخاص صعوبة في الحصول على دخل، وما يزيد على ستة أشخاص من كل عشرة سيغادرون البلد لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً”.
وحمَّلت الأمم المتحدة “الدولة اللبنانية، بما في ذلك مصرفها المركزي” المسؤولية “عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الإفقار غير الضروري للسكان، الذي نتج عن هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان” وكان “يمكن تجاوزها بالكامل”. (انتهى الاستشهاد).
الأجور فلم تعد تكفي العاملين لدفع تكاليف نقلهم الى وظائفهم وعلى الرغم من رفعها بين 6 و 7 أضعاف فإن القدرة الشرائية للمواد اليومية الاستهلاكية قد انهارت بشكل خطير
فقد ازدادت تعرفة الكهرباء ١٥ ضعفا، وتعرفة الخليوي ١٥ ضعفا الى ٢٥ ضعف، وازدادت تعرفة الاتصالات ١٠ أضعاف، وازدادت أسعار المحروقات والأدوية والأغذية والألبسة ١٥ إلى ٣٠ ضعفا، والرسوم الجمركية ١٠ أضعاف الخ…
أما الأجور فلم تعد تكفي العاملين لدفع تكاليف نقلهم الى وظائفهم، وعلى الرغم من رفعها بين 6 و 7 أضعاف، فإن القدرة الشرائية للمواد اليومية الاستهلاكية قد انهارت بشكل خطير.
كما تتضمن حقوق الإنسان، حقُ أي لبناني بالحصول على الغذاء والماء والدواء والرعاية الصحية. وهي حقوق تم انتهاكها بشكل منهجي ومتواصل، فمن انقطاع ادوية السرطان والأمراض المزمنة، الى انهيار كافة برامج التغطية الصحية والاستشفائية، إلى انعدام خدمات مياه الشفة، واستيلاء نافذي الأحياء على تجارتها والتربح منها، وصولا الى اندلاع اشتباكات بين هؤلاء النافذين، نتيجة تزاحمهم على اقتسام أرباح هذه التجارة.
وكما تم انتهاك كل الحقوق السابقة، فقد ادى انهيار التعليم الرسمي بكل مستوياته، من الأساسي و المتوسط والثانوي، الى الجامعي، الى فقدان الحق بالتعليم، وكذلك انفجرت أزمات لا حلول لها في مسألة الإيجارات والسكن، وتهددت مؤسسات رعاية اجتماعية تاريخية وعريقة بالاقفال والشلل.
من العار والخزيّ ان يصل لبنان الى وضع، لا تتأمن فيه هذه الحقوق البديهية!! وهو عار يصيب من يتولى المسؤولية ويقبع في إدارة رأس السلطة، او يتحكم بتوازناتها و قراراتها وخياراتها، لكنه عار يمتد الى حدود ابعد، ليطال مجمل القوى السياسية التي تعمدت شل الوطن والدولة، واستمرار الفراغ في رأس الدولة، والشلل في السلطة التنفيذية من خلال حكومة تصريف أعمال لا أكثر، ويمتد هذا العار إلى من ادعى رفع راية التغيير دون أن يكون أهلاً له.
من العار والخزيّ ان يصل لبنان الى وضع لا تتأمن فيه هذه الحقوق البديهية
ولان باب التغيير يظهر مرجأً أو موصدا، فقد أصبح الانتحار امرا يوميا يختاره مواطنون طحنتهم الازمة، واقفلت بوجوهم ووجوه عائلاتهم، وسائل العيش، فيما تتكاثر بشكل متواصل عمليات السلب والسرقات وتتوسع ممارساتها.
في الغابة الوحشية التي تحول اليها وطن الارز، لم يعد اللبنانيون يطالبون بحقوقهم كبشر، يحيون عصر العولمة، بل اكتفوا بأن يتدافعوا لنيل خبز يبقيهم أحياء!!…
مُشْتَبِهٌ ومَشبوهٍ، من يعتقد انَّ بإمكانه ان يُحَوِّلَ المواطنين في لبنان الى اقنان او عبيد. وسيدفع قليلو الذكاء والضمير والأخلاق، في منظومة الفشل والفساد والارتهان الى الخارج ثمن جرائمهم حتى لو بعد حين…

