يكاد الكلام السياسي في البلاد يتوقف، مفسحاً في المجال امام انتظار رتيب لتطورات الازمة السورية، وترقب قاتل للمواجهة التي ظهرت طلائعها الاولى في "بروفة" اضراب هيئة التنسيق النقابية مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، حيث "تخندق" الطرفان، استعداداً "لمعركة مفتوحة" على حد تعبير حنا غريب رئيس رابطة التعليم الثانوي الرسمي.
من يصرخ أولاً في مواجهة الشارع بين الحكومة والنقابات؟
ومن يصرخ أولاً ازاء الشلل الذي ينتظر الورشة التشريعية التي يفكر بها الرئيس نبيه بري في ظل تأكيد نواب المعارضة انهم لن يشاركوا في اجتماع اي لجنة من اللجان النيابية او حتى المشتركة اذا تمثلت فيها الحكومة الحالية؟
وفي السياسة، من يصرخ اولاً: فريق الموالاة (8 آذار) ام فريق المعارضة حول ما اذا كانت الحكومة ستصمد ام تستقيل ضمن مواجهة "تجميع النقاط"؟
واذا كانت قوى 14 آذار ماضية في حملتها لتجميع النقاط التي تدفع الرئيس ميقاتي لاتخاذ خطوة في اتجاه افساح المجال امام حكومة جديدة، فإن فريق حزب الله وحليفه النائب ميشال عون يتحرك لتحصين وضعية الحكومة الحالية، والتي يدفعها الى اصدار دفعات من التعيينات التي كانت متوقفة، مقابل تقديم ما يلزم من تسهيلات للرئيس ميقاتي وفريقه الوزاري، سواء على صعيد الاغراء بالحصص او دعم معارضته لتمرير سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام.
تعديل وزاري؟
اما على جبهة بعبدا، فإن مصادر مقربة من حزب الله عادت تتحدث عن ثمة افكار متداولة بعضها في جعبة الرئيس سليمان تتمحور على تعديل وزاري في حكومة ميقاتي لا على تغييرها، من زاوية العودة الى نظرية العشرات الثلاث التي هي نتاج التفاهمات التي انهارت، سواء في الدوحة وما قبلها وما بعدها، والموزعة وفقاً للعرف الذي حكم العلاقات الداخلية قبل انهيار حكومة سعد الحريري قبل اكثر من عام ونصف العام: 10 لـ8 آذار و10 لـ14 آذار و10 للفريق الوسطي.
وكشفت مصادر على صلة ان من بين الاسماء المتداولة – اذا ما استقر الرأي على التعديل الوزاري – ضم النائبين بهية الحريري وتمام سلام الى الحكومة، على ان تسند وزارة الدفاع للوزير السابق الياس المر ووزارة الداخلية للواء اشرف ريفي المديرالعام لقوى الامن الداخلي.
وفي السياق اياه،استبعدت مصادر مطلعة امكان التوصل الى توافق داخلي على التعديل، لان حزب الله وعون ليسا بوارد الدخول في مثل هذا "البازار" خشية أن يؤدي إلى فرط الحكومة التي يتمسكان بها، مع التأكيد على أن المعطيات تشير إلى أن رئيس الجمهورية حريص على التوصل إلى وضع جديد على الصعيد الحكومي.
وقد أوحى عون، الذي زار أمس البطريرك الماروني بشارة الراعي مهنئاً برتبة الكاردينالية، بهذا الموقف، عندما حاول أن يطمئن اللبنانيين بأن "الاستقرار لن يمسّ"، وأن الأزمة السياسية تسخن بالخطابات وتبرد بالخطابات أيضاً، في إشارة إلى أنها ستبرد، لكنه لم يكشف عن طبيعة معطياته، باستثناء الإيحاء بإمكان أن تقوم بكركي بوساطة معينة على هذا الصعيد، مع الإشارة هنا الى أن وفداً من "حزب الله" سيزور بكركي اليوم للتهنئة، أسوة بالوفود التي زارتها، ومن بينهم الرئيس فؤاد السنيورة الذي غادر الى بوسطن في الولايات المتحدة، أمس، وداود صايغ موفداً من الرئيس الحريري.
الورشة النيابية
إلى ذلك، استبعد مصدر نيابي في كتلة "المستقبل" أن يتمكن الرئيس بري من عقد جلسة تشريعية، في ظل قرار المعارضة بعدم المشاركة في أي عمل مجلسي له علاقة بالحكومة.
وأوضح عضو الكتلة النائب عمار حوري أن قرار الكتلة هو أن المشاركة غير واردة إلى ما بعد هذه الحكومة، مشيراً إلى أن المعارضة لا تقاطع المجلس كمجلس، ولكن كل ما له علاقة بالحكومة، لافتاً إلى محاذير أمنية تجنبهم الذهاب إلى مواعيد معلن عنها سابقاً.
لكن المصدر كشف عن مسعى من قبل الرئيس بري لتحريك مشروع قانون الانتخاب عبر "تفريع" اللجنة المصغرة التي تجتمع عادة من دون وزراء، بعدما طلب النائبان سامي الجميّل وأحمد فتفت استبعادهما عنها.
ولفت المصدر المذكور إلى أنه بإمكان اللجان أن تجتمع من دون نواب المعارضة، في الدورات الثانية، لكنه ألمح إلى أن هذا الأمر سلاح غير سهل ويتضمن خطورة، خصوصاً وأنه يعني "طلاق كامل" بين نواب الفريقين، لا أعتقد أن الرئيس بري يغفل عنه.
اضراب النقابات
وعلى صعيد الاضراب الذي نفذته بنجاح هيئة التنسيق النقابية، فقد ابدى الرئيس ميقاتي امام زواره في السراي امس، تفهمه لصرخة هيئة التنسيق ومطالب الموظفين والعمال، لكنه اكد انه لا يمكنه المجازفة بأي قرارات مرتجلة اومتسرعة تضرب الاقتصاد، مشيراً الى ان هذا الموقف ابلغه الى المعنيين في هيئة التنسيق، داعياً الجميع الى التروي في مقاربة الموضوع وعدم ادخاله في التجاذبات السياسية، مؤكداً ان موضوع السلسلة لا يحل بالسلبية او بالتصعيد، بل بالمناقشة الهادئة حيال افضل السبل لتأمين الايرادات المطلوبة، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة للموظفين في القطاع العام وعلى التوازن المالي.
ووعد الرئيس ميقاتي بأنه سيتابع في جلسة مقبلة لمجلس الوزراء، لم يحدد موعدها، درس موضوع ايرادات السلسلة بعد استكمال الاتصالات اللازمة لاحالتها مع مشروع قانون السلسلة الى المجلس النيابي.
ومن جهته، كشف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عن جانب من مطالعته امام مجلس الوزراء امس الاول، وفيها ان اي تمويل غير مدروس او محسوب للسلسلة سينعكس سلباً على كل الاقتصاد اللبناني، لافتاً الى خطوات يجب أن تتخذ في هذا المجال.
وقال سلامة في حديث للمؤسسة اللبنانية للإرسال LBC "ان عليهم (المقصود الحكومة) النظر بالمواضيع التمويلية كي لا تمس الحركة الاقتصادية ولا يؤثر على النمو، لأنه في حال تأثر النمو سيكون هناك تأثير مباشر على فرص العمل، مشدداً على ضرورة الاتصال بالمؤسسات الدولية لشرح وجهة النظر، والمهم في الأمر أن يكون هناك ضبط للتضخم، وما هي الخطوات المطلوبة لزيادة القدرة الشرائية من خلال السلسلة.
إلا ان المحطة أوردت في المقابل، مقابلتين مع كل من الخبيرين الاقتصاديين ايلي يشوعي والدكتور كمال حمدان، أكدا، كل في مجاله، ان السلسلة لن تؤثر على التضخم، لأننا بعيدين عن ان يستعمل الاقتصاد اللبناني كامل طاقاته المتوافرة، وأن زيادة الأجور لا يمكن أن تنعكس أكثر من 8 إلى 10 في المائة على معدل التضخم في البلد وهي نفس المعدلات السائدة الآن.
وكان موظفو القطاع العام في الإدارات العامة والدوائر الرسمية في مختلف المناطق اللبنانية والمدارس الرسمية قد التزموا بالإضراب الذي دعت إليه هيئة التنسيق النقابية، احتجاجاً على عدم إحالة مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب إلى مجلس النواب، فيما سجل تفاوت في بعض المدارس الخاصة، في وقت اكدت هيئة التنسيق ان الشلل الذي أحدثه الإضراب أمس في الإدارات الرسمية والمؤسسات التعليمية ليس سوى مقدمة للخطوات التصعيدية اللاحقة التي ستنفذها الهيئة، بدءاً من إضراب ليومين، وصولاً إلى الإضراب المفتوح حتى إحالة السلسلة بصفة المعجّل إلى المجلس النيابي من دون اي تقسيط او مساس بالمحسومات التقاعدية، وإنصاف المتقاعدين والمتعاقدين والأجراء من دون إضافة الضرائب على أصحاب الدخل المحدود، محملين الحكومة مسؤولية النتائج المترتبة عن الخطوات التصعيدية التي ستعتمدها لاحقاً.

