الجولة الأخيرة من الاشتباكات التي شهدتها طرابلس أمس أوقعت أربعة قتلى و17 جريحاً على الأقل منذرة بانكشاف تام للقدرة الرسمية والجهود السياسية على لجم الموجة المتصاعدة من العنف المذهبي التي انفجرت منذ فجر الثلثاء الماضي.
واتخذ انهيار وقف النار في المدينة بعداً بالغ الخطورة مع الأبعاد المباشرة وغير المباشرة لظاهرة القنص التي أدت الى اعادة اشتعال الاشتباكات بعنف، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة من دخول عوامل اقليمية على خط إذكاء الصراع المذهبي وإجهاض كل المساعي والمحاولات لحصر التوتر واحتوائه وتبريد المحاور واعادة الوضع في طرابلس الى طبيعته.
وأفادت مصادر شمالية بارزة معنية بالوضع المتفجر في طرابلس، استناداً الى معطيات لدى الجهات السياسية والأمنية، أن جولة القتال الأخيرة بدت بمثابة قنص سياسي وأمني مقصود على المقررات المهمة التي خرج بها الاجتماع الموسع الذي انعقد مساء الخميس في دارة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي والتي تضمنت مجموعة اجراءات كان يمكن أن تؤدي في حال استكمالها الى بداية إخراج المدينة من محنتها المتجددة.
وأوضحت أن دورة العنف بدأت مع استهداف قناصة، من مكان تعمل الجهات الأمنية المختصة على تحديده وتثبيته، الشيخ السلفي خالد البرادعي الذي قتل فور إصابته برصاصة في عنقه. وعقب ذلك سجلت موجة جديدة من القتال بين باب التبانة وبعل محسن، تبعتها موجة ثأرية واسعة من احراق محال وأكشاك تجارية تولاها ملثمون في شوارع طرابلس وتعود ملكية أكثرها الى علويين. ولم يقتصر الأمر على هذا التفجير المقصود بل تعداه الى استهداف لأفراد الجيش بالقنص فجرح منهم أكثر من سبعة عسكريين.
وأدت الاشتباكات وعمليات القنص الى احتدام عنيف للغاية وخلفت أربعة قتلى و17 جريحاً واستعملت فيها الاسلحة الرشاشة الخفيفة والثقيلة وقاذفات الصواريخ متسببة بحرائق كبيرة في منطقتي النزاع خصوصاً، كما وصلت المعارك الى أمكنة لم تشهد اشتباكات سابقاً.
وعلى رغم تراجع حدة العنف مساء أمس، تخوفت المصادر الشمالية البارزة من استمرار الدوامة التي تبدو فيها المدينة تحت قبضة القنص وتفجير القتال في أي لحظة، سعياً الى إنهاك الجيش بعمليات الكرّ والفرّ وإحباط كل الجهود السياسية لوقف حرب الاستنزاف الجارية.
وإذ لمحت الى ان الساعات الـ 48 المقبلة قد تشهد خطوات عسكرية نوعية جديدة كان أشار اليها وزير الداخلية مروان شربل، وخصوصاً على صعيد مكافحة عمليات القنص والانتشار على محاور جديدة تكفل تحقيق هذا الهدف، أضافت أن القضاء تحرك أمس لاصدار استنابات قضائية في حق المسلحين وكشف هوياتهم وملاحقتهم وتوقيفهم ولا سيما منهم من ظهر على شاشات التلفزيون. وأفادت أن الأجهزة الأمنية شرعت في تزويد القضاء العسكري صوراً ومعلومات ولوائح اسمية مفصلة بالمسلحين المعروفين لديها، وأن جميع الأجهزة تشارك في هذا الجهد الذي يؤمل أن يظهر جدية السلطات في تعقب المسلحين بعد رفع الغطاء السياسي عنهم.
وفيما قامت وحدات الجيش المنتشرة في طرابلس بعمليات دهم ومصادرة اسلحة وذخائر من مناطق الاميركان والريفا والبقار ومشروع الحريري، توقعت مصادر عسكرية اتصلت بها "النهار" ان يتوصل الجيش الى اعادة الهدوء وضبط الوضع "اذا كانت ثمة نيات حسنة لدى الأطراف المتنازعين على الأرض، واذا لم تكن هناك "أجندات" خارجية أو توجيهات بتفجير الوضع وابقاء التوتر". وقالت "إن الوضع حساس للغاية وبعض الاطراف أبدى بشكل واضح عدم التزامه ما تقرر سواء في الاجتماع الذي عقد في دارة الرئيس ميقاتي أم في الاجتماعات الأخرى التي سبقته حتى إن بعض هؤلاء الاطراف هو أساسي في النزاع ولم يشرك في هذه الاجتماعات". وخلصت الى "ان الساعات المقبلة ستحدد الاتجاهات لدى الاطراف المتنازعين بوضوح إما نحو التهدئة واما نحو التوتير والمضي في التصعيد على الارض".
السنيورة
وفي السياق عينه أجرى رئيس "كتلة المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة الذي عاد أمس من اجازة سلسلة من الاتصالات شملت الرئيس ميقاتي ونواب طرابلس وفاعلياتها وفي مقدمهم المفتي مالك الشعار. وأبلغت أوساط السنيورة "النهار" انه شدد في هذه الاتصالات على "ضرورة ان يكون واضحا ان موقف الكتلة وتيار المستقبل هو ضد استخدام العنف من أي جهة وضد حمل السلاح واطلاق النار والتأكيد أن الجيش وقوى الامن تتمتع بالغطاء السياسي الكامل لقمع أي محاولة للاخلال بالامن". واتفق مع فاعليات المدينة على تثبيت هذا الموقف الذي سيكون موضع متابعة في الساعات المقبلة.
وأكد السنيورة من جهة أخرى ان الكتلة "لن تقبل بالتعرض لحرية النائب معين المرعبي وحقه في التعبير عن رأيه كنائب، وفي الوقت ذاته لن تقبل بالمس بمؤسسة الجيش ودورها في حفظ الامن وضبط الفلتان".
وصرح نائب طرابلس في "كتلة المستقبل" سمير الجسر لـ"النهار" بأن الاجتماع الذي ستعقده فاعليات المدينة اليوم سيتابع مع الامنيين والجهات المتضررة الوسائل المطلوبة لمنع التفجير. وقال: "لن نتخلى عن مسؤولياتنا ونحن مستمرون في تحملها"، لافتا الى دخول "عنصر جديد في التوتير هو ممارسة القنص الذي استمر ليل أول من أمس مثيرا مخاوف الناس وتسبب بجولة العنف الجديدة بعدما سقط الشيخ خالد البرادعي برصاص القنص". وتحدث عن "سلة اجراءات والمهم البدء بتنفيذها حتى لو نجحت بنسبة 80 في المئة".
واشنطن وموسكو
وأثار الوضع في طرابلس مزيدا من ردود الفعل الديبلوماسية والدولية. ونددت السفارة الاميركية في لبنان في بيان بموقع تويتر امس بالعنف المستمر في طرابلس وأعربت عن تعازيها الصادقة بالضحايا، داعية جميع الاطراف الى ممارسة ضبط النفس واحترام أمن لبنان واستقراره. كما دعت الى "محاسبة مسؤولي نظام (الرئيس السوري بشار) الاسد على تورطهم في محاولات مزعومة لزعزعة الاستقرار في لبنان"، واستنكرت "استمرار قصف النظام (السوري) للأراضي اللبنانية" داعية اياه الى "احترام سيادة لبنان واستقراره".
كذلك أعربت وزارة الخارجية الروسية عن "قلق موسكو البالغ من الوضع في طرابلس" ودعت جميع الاطراف الى "وقف العنف واحترام الهدنة التي تم التوصل اليها الاربعاء بدعم من رئيس الوزراء نجيب ميقاتي". وأكدت "دعم روسيا لسيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقلاله ومعارضتها أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية اللبنانية".
زيارة البابا
وسط هذه الاجواء، أكد الفاتيكان امس مجددا ان زيارة البابا بينيديكتوس السادس عشر للبنان قائمة وفق الموعد المحدد لها من الرابع عشر من ايلول المقبل الى السادس عشر منه. ونقلت وكالة الانباء الايطالية "آكي" عن رئيس المجلس البابوي للحوار بين الاديان الكاردينال جان – لوي توران انه "يجري التحضير لهذه الزيارة والتزامها وفق المخطط" المعلن سابقا. كما ان اذاعة الفاتيكان أكدت أمس ان العمل مستمر لزيارة البابا لبيروت "على رغم مناخ التوتر المتصاعد" في لبنان.

