من أجل التغلب على الأزمة السياسية الحالية في العراق ومنع انهيار نظام ما بعد عام 2003 بمجمله، ينبغي على رئيس الوزراء نوري المالكي وخصومه الاتفاق على تسويات مؤلمة.
يركّز أحدث تقارير مجموعة الأزمات الدولية "هل رأينا كل هذا من قبل؟ الأزمة السياسية المتصاعدة في العراق" على دراسة المأزق القائم بعد سنتين من بداية الفترة الثانية لرئيس الوزراء نوري المالكي في السلطة. يُتهم المالكي بانتهاك الدستور، ومراكمة السلطة بين يديه ووضع قوات الأمن تحت سيطرته الشخصية. لقد أدى الفصل الأخير من الأزمة السياسية في العراق إلى تصاعد خطير في التوترات وأوجد فراغاً سياسياً يمكن من خلاله لهجمات مميتة، كالسلسلة الأخيرة من هذه الهجمات، التي قتلت أكثر من مئة وجرحت المئات، أن تؤدي إلى تجدد الحرب الأهلية. على القادة السياسيين العودة وبشكل عاجل إلى جهودهم الأصلية للتوصل إلى صياغة ترتيبات عملية وشفافة لتقاسم السلطة إذا أُريدَ تصحيح مسار السفينة العراقية المترنحة.
لقد فقد المالكي ثقة شريحة واسعة من الطبقة السياسية. وفي نفس الوقت، فإن المعارضة منقسمة حول قضايا جوهرية وحول ما إذا كان ينبغي أن تدفع المالكي إلى تنفيذ اتفاق إربيل لتقاسم السلطة الذي تم التوصل إليه عام 2010 أو تنحيته بشكل كامل. إن الرهانات في أن يتمكن خصومه من حشد ما يكفي من الأصوات لتنحيته هي رهانات منخفضة. وحتى لو نجحوا، فمن غير المرجح أن يجدوا أرضية مشتركة لتشكيل حكومة جديدة، وهو ما سيترك المالكي رئيساً لحكومة تصريف أعمال إلى أن تحل الانتخابات الجديدة عام 2014. في هذه الأثناء، فإن الحكومة ستجد صعوبة متزايدة في الحكم وسيدفع جميع العراقيين الثمن.
يقول يوست هلترمان، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات، "ما من شك في أن المالكي أضاف إلى سلطاته سلطات جديدة خلال فترة السنوات الست التي قضاها رئيساً للوزراء، لكن ما من شك أيضاً في أن جزءاً كبيراً من نجاحه ناجم عن عدم قدرة خصومه على إفشاله من خلال الوسائل الدستورية. ينبغي أن ينفذ المالكي اتفاق تقاسم السلطة لعام 2010 والتعهد بالتنحي عند نهاية فترته كرئيس للوزراء حفاظاً على المصلحة الوطنية؛ كما ينبغي أن يتخلى خصومه عن محاولات تنحيته واستعمال قوتهم البرلمانية بدلاً من ذلك في بناء مؤسسات دولة قوية والمساعدة في ضمان أن تكون الانتخابات القادمة حرة ونزيهة".
إن مأزق العراق أكثر عمقاً من مجرد عدم تنفيذ تفاهم إربيل أو حتى من مسألة شخصية المالكي. إنه عرَض لعدم القدرة على تجاوز إرث صدام حسين وممارساته القمعية والذي يتمثل في ثقافة من الشكوك العميقة مصحوبة بممارسات سياسية تقضي بحصول الفائز على كل شيء وخسارة الخاسر لكل شيء. ولأن المساومات السياسية التي أعقبت سقوط النظام لم تتمخض عن توزيع عادل، ومتفق عليه للسلطة، والأرض والموارد، فإنها لم تسهم في معالجة وتصحيح هذا الوضع.
هذه المرة، يجب على القادة السياسيين القيام بأكثر من مجرد عملية ترقيع للأوضاع والاستمرار في معاركهم دون معالجة الأسباب الجوهرية. إن حلاً سريعاً اليوم من شأنه أن يؤدي إلى انهيار شامل غداً؛ والانتخابات قادمة، والرهانات أكبر من أي وقت مضى. دون الاتفاق على قواعد اللعبة، فإن المالكي قد يتشبث بالسلطة، مستعملاً مختلف الوسائل لجعل نتائج الانتخابات تصب في مصلحته.
يقول روبرت مالي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات، "لا يمكن لهذه الأزمة أن تستمر، غير أن المالكي، وخصومه والبلدان المجاورة للعراق يتشاطرون نظرياً المصلحة في تقليص حدة التوتر. ينبغي للتغيير السلمي أن يحدث من خلال التوافق السياسي المستند إلى الدستور – والشروع أخيراً في معالجة القضايا التي تم تجاهلها لفترة أطول مما ينبغي".

