يبدو أنّ السؤال عن قطع الحساب لمليارات الدولارات المصروفة بين العامين 2006 و2009، لن يجد جواباً شافياً يميط اللثام عما يعتري هذه الأحجية المالية من أسرار ويحدد وجهة الإنفاق ودواعي صرفها ومدى انسجامها مع الأصول القانونية والدستورية والمحاسبية، بل ربما يقود إلى مطارح أخرى.
ففي ذروة البحث عن قيود تلك المليارات في «مغارة علي بابا المالية»، برز تطور لافت للانتباه بيّن أنه إضافة الى أكثر من 11 مليار دولار، قيمة الانفاق الاضافي عن أربع سنوات، هناك ما يزيد على خمسة مليارات دولار من خارج الانفاق الاضافي تعود للفترة الزمنية نفسها (2006 ـ 2009).
وقال وزير المالية محمد الصفدي لـنا إنه أبلغ رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نجيب ميقاتي وباقي المشاركين في الاجتماع الذي عقد في مجلس النواب، على هامش الجلسة التي طار نصابها، أمس، بوجود مخالفات حسابية بين الأعوام 2006 و2009 تبلغ 16 مليار دولار بينها إنفاق إضافي بقيمة 11,5 مليار دولار، إلا انه أوضح ان هناك فرقا بين المخالفة المحاسبية التي تتعلق بنقل اعتمادات من بند إلى بند من داخل الموازنة، وهو أمر يحتاج إلى قرارات من مجلس الوزراء من جهة وبين حجم النفقات التي تخطت الملحوظ على أساس القاعدة الاثني عشرية وفقاً لموازنة العام 2005 من جهة ثانية.
ورداً على سؤال حول مصير حسابات موازنة العام 2010 التي لا تدخل ضمن الـ11,5 مليار دولار، قال الصفدي «إن وزارة المالية تعمل على إيجاد معالجة لهذه الحسابات أيضاً كون موازنة العام 2010 شهدت نفقات إضافية أيضاً تقارب الخمسة مليارات دولار».
وأضاف الصفدي انه أنجز بعد ظهر امس، مشروع قانون يتعلق بتسوية النفقات عن الاعوام 2006 و2007 و2008 و2009 (حكومات السنيورة) و2010 (حكومة سعد الحريري)، على ان يرفعه اليوم الى الامانة العامة لمجلس الوزراء. وأشار الى ان تسوية هذا الامر «تكون تسوية كلية لا جزئية ولذلك كان لا بد من إضافة إنفاق العام 2010 (حوالى خمسة مليارات دولار)، وبالتالي لا نريد ان نعقّد المسألة بل نريد إيجاد مخرج وان نعمل بالتالي على نور ومن دون أن نلقي المسؤولية على هذا أو ذاك».
وإذا كانت الأكثرية النيابية المشكلة للحكومة قد خسرت جولة ثانية أمام الأقلية النيابية التي استطاعت أن تعطل، أمس، للمرة الثانية على التوالي، جلسة مجلس النواب مدعومة بالظهير الجنبلاطي الذي انخرط في معركة تعطيل النصاب من الباب السياسي بعنوان الخشية من أن تثير قضية المليارات انقساماً سياسياً حاداً في البلد، فإن المواجهة حول هذه المليارات لم تنته فصولا، لا بل هي مرشحة إلى مزيد من الاحتدام، وخاصة مع مسارعة الرئيس نبيه بري إلى تحديد موعد جديد للجلسة التشريعية في الخامس عشر من الجاري والإبقاء على اعتماد الـ8900 مليار ليرة بندا أولَ في جدول أعمالها.
وبدا جليا أن إطاحة جلسة مجلس النواب أمس، أطاحت نهائيا المخرج الذي سبق لرئيس مجلس النواب ان طرحه على الرئيس السنيورة خلال الجلسة السابقة وعمل في الأيام الأخيرة على إدخال ما وصفها بري ببعض التحسينات عليه، وبالتالي أمام ما اعتبرته الكتل الرئيسية في الاكثرية «التصعيد التعطيلي للمجلس»، الذي قام به نواب «14 آذار» ومعهم كتلة النائب وليد جنبلاط، اندفعت تلك الكتل نحو تحويل مسار المواجهة في اتجاه سحب ورقة التعطيل من يد الاقلية، واعتماد خيار يضع موقف النائب جنبلاط على محك تأمين النصاب لجلسة الـ8900 مليار ليرة في 15 آذار الجاري، خاصة أنه شريك في الحكومة الميقاتية، ولطالما نادى بالتضامن الوزاري، كما يلقي الكرة في ملعب السنيورة ويضعه أمام خيارين، إما الذهاب الى تسوية المليارات المجهولة وجهة الإنفاق، وإما الاستمرار في التصعيد والتعطيل.
على أن التسوية المطروحة ليست وفق الاقتراح المعجل المكرر المقدم من السنيورة وفريقه، حيث اعتبر هذا الاقتراح وكأنه لم يكن مع غياب أصحابه عن الجلسة التشريعية امس، بل من خلال مشروع قانون تضعه الحكومة الميقاتية وتحيله الى المجلس النيابي، وفق ما تقرر في الاجتماع الذي عقد في المجلس النيابي أمس، وحضره الرئيس بري، الرئيس ميقاتي، النائب ميشال عون، النائب محمد رعد، النائب سليمان فرنجية، الوزير الصفدي، النائب طلال ارسلان، النائب عاصم قانصوه وانضم اليه لاحقا الوزيران جبران باسيل وعلي حسن خليل.
على ان إقرار مشروع تسوية المليارات في مجلس الوزراء ومن ثم إحالته الى مجلس النواب، سيعيد هذا الموضوع مجددا الى الحلبة النيابية وجدال الارقام. ولم تستبعد مصادر نيابية واسعة الاطلاع احتمال إحالة المشروع المذكور فور وصوله الى مجلس النواب الى اللجان النيابية المشتركة لإقراره في أسرع وقت، علما ان الرئيس بري سبق له أن طرح على السنيورة في الجلسة السابقة بأن يتم إقرار الـ8900 مليار ليرة اولا، على ان يتعهد خلال الجلسة العامة بإحالة اقتراح قانون حول الاحد عشر مليارا (المقدم من تيار المستقبل) الى اللجان النيابية المشتركة لتسريع إقراره في أقرب فرصة، إلا أنّ السنيورة لم يستجب لطلب بري. وأشارت المصادر الى انه سواء تمت الاحالة الى اللجنة المالية أو الى اللجان المشتركة، فالنتيجة واحدة، اذ ان هناك اسئلة كثيرة تنتظر أجوبة من الرئيس السنيورة.
وردا على سؤال حول سبب مقاطعة نواب «جبهة النضال الوطني» جلسة امس، قال وزير الاشغال غازي العريضي لـ«السفير»: «نحن لا نقاطع لأننا نريد القطيعة بل نحن نقاطع رفضا للقطيعة والانقسام، وقد سبق لنا وأبلغنا موقفنا الى الجميع، ولا سيما الرئيس نبيه بري وقيادة «حزب الله» بأنه في غياب التسوية لا نستطيع ان نشارك في الجلسة لأننا نرفض أن نكون جزءًا من مشهد الانقسام، وغيابنا امس عن الجلسة هو لكي لا تتكرس القطيعة والانقسام».

