فضل الله: لحكومة تحكم ومعارضة تراقب

  ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

"تبقى الأنظار متجهة إلى القضية الأساس، إلى الحرب المفتوحة على القضية الفلسطينية، وخصوصا عمليات الزحف الاستيطاني التي تتسع حلقاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، مضافا إليها عمليات الاعتقال الصهيونية للفلسطينيين، وصولا إلى التواطؤ الدولي حول أسطول الحرية لمنعه من شق طريقه إلى غزة المحاصرة. والجديد في هذا الإطار، دخول اليونان على الخط، في مناورتها الجوية الجديدة مع كيان العدو، ومنع بعض السفن التي تحمل ناشطين دوليين من الإبحار من موانئها إلى غزة، بدون أي مبرر منطقي".

ودعا "الشعوب العربية، بطلائعها المثقفة، وشبابها الواعي، إلى الوقوف مع الناشطين الدوليين والعرب والمسلمين الذين يتحركون من موقع مسوؤليتهم الإسلامية والإنسانية للتخفيف عن الشعب المحاصر في غزة، منذ أكثر من خمس سنوات، وقال: "إننا نقدر هذه الروح العالية، ونشد على أيديهم وهم يسعون بكل جهدهم لتجاوز الحصار الجديد المفروض عليهم لمنعهم من التعبير عن إنسانيتهم".

كما دعا "هذه الشعوب وهذه الطلائع إلى قراءة ما يجري من حولهم في العالم العربي بدقة، حتى لا تأخذهم اللعبة الدولية إلى حيث يخطط الصهاينة، لأننا نشهد، ومع الأسف، انخراطا لبعض من يضع نفسه في موقع المعارضة لهذا النظام العربي أو ذاك، بالتنسيق مع العدو الصهيوني للمرحلة القادمة، كشرط وضعته الدول الغربية لتأمين الدعم الدولي لهم، أو لتثبيت مواقعهم من خلال اللقاءات التي تحصل في هذه العاصمة الأوروبية أو تلك، وهو ما يشير إلى حجم اللعبة التي تدار في المنطقة لحساب الكيان الصهيوني، والمنسقة مع الإدارة الأميركية والحلف الأطلسي لسرقة الثورات والتحركات العربية، وتجييرها لمصلحته الآنية أو الاستراتيجية".

ونبه إلى "ما يجري في العراق، وخصوصا على مستوى التفجيرات الوحشية الدامية التي تستهدف المدنيين، كما تستهدف استقرار العراق ووحدة أبنائه، والتي نخشى أن تساهم في تعزيز فرص البقاء للاحتلال الأميركي في ظل دعواته المتواصلة للبقاء والاستمرار على حساب قضية الشعب العراقي وقضايا الأمة".

وقال: "اننا نلمح عملا مستمرا بأساليب جديدة في العراق، لإثارة عناصر الفتنة المذهبية والطائفية والعرقية، مما يحتاج إلى تضافر جهود العراقيين لتثبيت وحدتهم، والتأكيد على القاسم المشترك بينهم، وهو حفظ العراق وإزالة الاحتلال، حيث لا خلاص لهم الا بوحدتهم، وعليهم أن لا يسمحوا لكل الذين يدخلون على خط انقسامهم، ليمنوا هذا، ويخوفوا ذاك، ليضيع بعد ذلك العراق، ويضيع دوره الريادي في العالم العربي والإسلامي، وليستفيدوا من كل تجاربهم السابقة وتجارب الآخرين".

اضاف: "ونحن في هذا السياق، نرحب بحديث شيخ الأزهر، الذي وضع فيه الإصبع على الجرح، وعمل من خلاله على تطويق المخطط الذي يعمل له لإثارة الفتنة بين السنة والشيعة، عندما قال: نحن نصلي وراء الشيعة، ولا يوجد خلاف بين السني والشيعي يخرجه من الإسلام. وإعلانه فتح أبواب الأزهر أمام الطلاب المسلمين الشيعة للدراسة في الجامعات والمعاهد الأزهرية".

وتابع: "إننا نرحب بهذا الموقف الوحدوي الشجاع، والحريص على وحدة الأمة بجناحيها، ونرى في توقيته ومضمونه ما يثلج صدور كل الوحدويين والحريصين على وحدة المسلمين، والساعين لجمع الشمل وقطع الطريق على المخططات الدولية والصهيونية الرامية إلى الإيقاع بين المسلمين، والتي تسعى دائما إلى تعميق الهوة بينهم، بتأكيد مواقع الاختلاف، وعدم النظر إلى نقاط الالتقاء الكثيرة، وإلى الخطر الذي يحدق بهم".

ودعا "المرجعيات الإسلامية في كل العالم، إلى أن تضم صوتها إلى هذا الصوت، ليكون الموقف واحدا على مستوى الأمة كلها، وليمثل ذلك رسالة إلى كل الأعداء، وكذلك كل قوى التخلف والغلو والخرافة والتجزئة، بأن قرار الأمة في تماسكها والحفاظ على وحدتها، هو قرار واحد وموقف واحد، مهما عصفت العواصف وتعقدت الظروف، وإن المسلمين يبقون أمة واحدة، كما أراد لهم الله؛ أمة تحمل في داخلها كل هذا التنوع، أمة تقوى بتنوعها ولا تضعف فيه".

اضاف: "وعندما نطل على الوضع العربي عموما، وعلى سوريا والبحرين خصوصا، فإننا نؤكد أهمية الحوار الذي نريده أن يكون جديا، وأن ينطلق بذهنية انفتاحية تتطلع إلى مصلحة الشعب هنا وهناك، ومصالح الأمة، وتحدق في الخطط الخارجية الرامية إلى شق الصفوف وإثارة الفتن المتنقلة، حيث الحوار هو السبيل الأفضل للوصول إلى الحلول في ظل كل المتربصين في هذا العالم العربي، الذين لا يريدون إلا مصالحهم. إننا نريده حوارا موضوعيا يضع الإصبع على الجرح، ويسعى لمعالجته بالسرعة اللازمة، بما يقطع الطريق على الأعداء، ويحقق المصالح العليا لبلداننا العربية".

وعن لبنان، قال: "أقبل على مرحلة جديدة من خلال المحكمة الدولية، التي دخلت بطريقة وأخرى على خط النسيج الداخلي للبنانيين، وسعت إلى إحداث ثغرة في العلاقات الداخلية، كما عملت ـ من خلال الجهات الدولية الساعية للاستفادة من حركتها ـ على أن تكون أداة ضغط ومساومة في كثير من الملفات السياسية التي يختلط فيها الإقليمي بالدولي بالمحلي".

اضاف: "إننا نريد للبنانيين أن يتنبهوا إلى ما يرسم لهم من بعيد، فلا يلدغوا من الجحر الدولي مرة جديدة، وعلى المعنيين من جميع الفرقاء، أن يديروا الخلاف السياسي إدارة هادئة، ولا يسمحوا لعناصر الانفعال أن تشحن الأرض بالمزيد من التوتر والعصبية، لأن المسألة لا تتصل بالثقة التي حصلت عليها الحكومة في المجلس النيابي، بقدر ما تتصل بالثقة التي يراد للمواطن ألا يفقدها نهائيا حيال جميع المسؤولين، بعدما دخل في عنق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وهو لا يدري إذا كان البعض يخطط لإدخاله في أتون توتر داخلي على المستوى الأمني، أو في فتنة سياسية تمتد لأشهر وربما أكثر، تبعا لما يحضر له على مستوى المنطقة كلها".

ودعا اللبنانيين "أن يفكروا جيدا بمسؤولية، وأن يلتقوا من أجل أن يتدارسوا كل ما يثار حول المحكمة الدولية أو القضايا الداخلية العالقة، حيث لا سبيل لهم إلا الحوار، وقال: "لقد جرب اللبنانيون كل الحلول الأخرى، فلم تنتج إلا زيادة في المعاناة، ومزيدا من الانقسام، وكم كنا نتمنى أن تكون جلسة الثقة جلسة حوار هادئ وموضوعي، يساهم في إخراج البلد من كل معاناته التي يكتوي بها الجميع.

اضاف: "ونريد للحكومة الجديدة، أن تكون كما أعلنت عن نفسها، حكومة لكل الوطن، تعمل لحساب كل مواطنيه، ونريد للمعارضة أن تكون معارضة لحساب الوطن، لا على حساب أمنه واستقراره. إننا نرى حل مشكلة لبنان في حكومة تحكم ومعارضة تراقب، لتتكامل الصورة في الوطن، بحيث يبنى البلد على عمل مع مراقبة".

وختم فضل الله: "إننا نقول للبنانيين الله في وحدتكم، ونقول للمسلمين: الله في وحدتكم وتماسككم، فالعدو على الأبواب، وتجار الفتنة ومسوقوها يطوفون الساحات. ارحموا إنسانكم، ارحموا لبنانكم، قبل أن نترحم على البقية الباقية من هذا البلد الذي لطالما بقي رهين لعبة الخارج، وتقصير الداخل وإهماله وتواطئه". 

السابق
الجراح: قرار الحكومة بيد حزب الله
التالي
القافلة البحرية والفكر المقولب اليهودي