إن أي نظام سياسي عليل ومأزوم ينتج حتماً اقتصاداً مشوهاً ومهدداً بالانهيار الشامل؛ ففي ظل دكتاتورية مطلقة تُصادر فيها الحريات العامة وتُنتهك كرامة الإنسان، يصبح الحديث عن نمو مستدام أو رفاه مالي مجرد ضرب من الوهم. إن الجسد الشاحب للاقتصاد الإيراني في يونيو 2026 ليس ضحية هزات عابرة، بل هو النتيجة المباشرة لسياسات الشمولية والقمع التي يتبعها نظام الملالي؛ حيث وُضعت أولويات الحفاظ على الاستبداد الأيديولوجي فوق لقمة عيش المواطن ودواء المريض، ليقف الاقتصاد اليوم على حافة جرف هارٍ عجزت الحكومات المتعاقبة عن انتشاله منه.
أماطت التقارير الصادرة مؤخراً عن وسائل الإعلام التابعة للنظام نفسه اللثام عن عمق هذا الانسداد الهيكلي؛ إذ خرجت صحيفة جهان صنعت الحكومية في عددها الصادر بتاريخ 10 يونيو 2026 بعناوين لافتة وصادمة تقر بأنه لا يمكن علاج الاقتصاد الإيراني العليل إلا بتغيير صانع القرار نفسه. هذا الاعتراف النادر يعكس قناعة راسخة لدى خبراء الداخل والخارج بأن المنظومة الكهنوتية تضع استمرار بنيتها الأمنية والعسكرية في مقدمة أولوياتها على حساب المتطلبات المعيشية الأساسية للمجتمع؛ مما جعل الحكومات المتتالية -أمام معضلة العجز المزمن في الموازنة- تسارع إلى طباعة النقد المنفلت والالتفاف للاقتراض من البنك المركزي، واضعةً البلاد في حلقة مفرغة من التضخم الفاحش والريع المنظم الذي يغذي ثروات المقربين على حساب تجويع الأسر المسحوقة.
لقد أدت هذه السياسات الكارثية والفساد المؤسسي الممنهج إلى تحطيم ما تبقى من روابط بين الشارع والسلطة، وهو ما بدأت الصحف الرسمية تعبر عنه بلغة مشفرة للإشارة إلى التداعيات الزلزالية لانتفاضتي ديسمبر 2025 وناير 2026 المجيدتين؛ حيث اعترفت الصحيفة المذكورة بأن أحداث يناير وجهت ضربة قاصمة لجسد الثقة الاجتماعية النحيل والضعيف. وقبل أن يستفيق الاقتصاد من صدمة تلك الاحتجاجات، سارعت السلطة المستبدة إلى الدفع بالبلاد نحو أتون حرب مارس 2026 الكارثية، مما أسفر عن شلل التجارة الخارجية، وقفزات قياسية غير مسبوقة في أسعار صرف العملات الأجنبية، ليدخل التضخم مرحلة المراتب الثلاث، ويقر الخبراء بأن الآفاق باتت مظلمة تماماً أمام النشطاء الاقتصاديين.
وأمام هلع السقوط الحتمي والانهيار الوشيك، تلهث الأبواق الإعلامية التابعة للنظام لاستجداء إصلاحات شكلية من القيادة العليا، محذرةً من أن السياسات التقييدية والأمنية لم تعد قادرة على تقديم استجابة مستدامة للمطالب الاقتصادية للمجتمع، ومروجةً لأوهام إمكانية استعادة الثقة المفقودة عبر تحسين بيئة الأعمال وصيانة بعض الحقوق المدنية. غير أن هذه الاستجداءات البائسة لا تعدو كونها محاولات رخيصة للتغطية على حقيقة أن صيغة الحكم الفردي المطلق والاحتكارات التابعة لـ حرس الولي الفقيه ومؤسسات بيت الحاكم هي البؤرة الأساسية ومصدر الإشعاع للفساد والنهب العام الذي يلتهم مقدرات البلاد الهائلة.
وفي نهاية المطاف، تجاوز وعي الشارع الإيراني كافة الأطروحات الترقيعية والوعود الزائفة التي تروج لها حكومة بزشكيان الهشة؛ فقرابة 90% من أبناء المجتمع يدركون تماماً بالدليل القاطع أن العطب يكمن في صلب الهيكل السياسي الحاكم، وأنه لا مجال لإحداث أي انفتاح اقتصادي أو رفاه مستدام دون اقتلاع هذا السرطان الكهنوتي من جذوره. وأمام هذا الانسداد الشامل، رسم ثوار الميادين حدوداً دموية وحاسمة تلخصها الشعارات الهادرة في الساحات: لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي؛ مؤكدين سواء في أجواء الحرب أو المفاوضات أن أولويتهم الثابتة والوحيدة هي الإطاحة الكاملة بهرم السلطة، والتطلع نحو أفق الجمهورية الديمقراطية الحديثة القائمة على التوزيع العادل للثروات وسلطة صوته الحُر وسيادته الكاملة.

