من دمشق التي احتلّها حزب الله إلى سوريا التي تُحاكمه..هل بدأ الشرع وسلام كتابة نهاية محور السلاح؟

نواف سلام واحمد الشرع
اليوم، يدخل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق لا كزائر عادي، بل كصورة عن زمن جديد يُكتب فوق أنقاض زمن قديم، وكأنّ التاريخ يقرّر أخيراً أن يسخر من الذين اعتقدوا أن بنادقهم أقوى من الدول.

في الشرق الأوسط، لا شيء يموت فجأة،الإمبراطوريات تتعفّن أولاً، ثم تتصدّع، ثم تسقط دفعة واحدة.

وهذا تماماً ما حدث لمحور (الممانعة) الذي أمضى عشرين عاماً يبيع شعوب المنطقة خطابات القدس فيما كان يوزّع الخراب من بغداد إلى دمشق فبيروت.

اليوم، يدخل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق لا كزائر عادي، بل كصورة عن زمن جديد يُكتب فوق أنقاض زمن قديم، وكأنّ التاريخ يقرّر أخيراً أن يسخر من الذين اعتقدوا أن بنادقهم أقوى من الدول.

المشهد وحده كاف لإصابة حزب الله بصدمة عصبية سياسية،رجل الدولة اللبنانية يجلس مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الرجل الذي كان حتى الأمس القريب هدفاً مباشراً لمحور الأسد ـ حزب الله ـ إيران، لا لشيء إلا لأن السوريين قرروا يوماً أن يثوروا على السجن الكبير الذي حكمهم نصف قرن. يومها، دخل حزب الله إلى سوريا تحت شعار (محاربة الإرهاب) ثم اكتشف السوريون أن تعريف الإرهاب لدى الحزب يشمل كل من يصرخ (حرية) وكل أم تبكي ابنها تحت التعذيب، وكل مدينة ترفض الركوع لصورة بشار الأسد.

لسنوات، تصرّف حزب الله وكأن سوريا مزرعة خلفية لمشروعه الإقليمي، وكأن الحدود اللبنانية السورية مجرد ممرات لشاحنات السلاح والكبتاغون والميليشيات. كان الحزب يتحدث عن (الهلال الشيعي)بثقة المنتصر، فيما كانت بيروت تُختطف تدريجيا من الدولة إلى الدويلة، ومن المؤسسات إلى المربعات الأمنية، ومن السيادة إلى فائض القوة.

أهمية زيارة نواف سلام لا تكمن فقط في اللقاء نفسه، بل في كل الأسئلة الثقيلة التي يفتحها هذا اللقاء أمام حزب الله تحديداً

لكن المشكلة في المشاريع العقائدية أنها تصدّق دعايتها الخاصة، فتتوهم أن الزمن ثابت وأن الخوف أبدي، قبل أن تستيقظ فجأة على حقيقة أن الشعوب لا تنسى، وأن الدم لا يتحول إلى وجهة نظر.

اليوم، تغيّر كل شيء سقط الأسد، انهار العمود الفقري للمحور، تبدّل المزاج العربي والدولي، وبدأ لبنان نفسه يتحدث بلغة لم يعتدها الحزب منذ سنوات(حصرية السلاح، ضبط الحدود، ومنع أي جهة من جرّ البلد إلى حروب انتحارية،حتى الرئيس أحمد الشرع نفسه أعلن دعمه لمسار الدولة اللبنانية ولضرورة الاستقرار والسيادة، فيما تتحدث التقارير عن تعاون أمني متزايد بين دمشق وبيروت لضبط الحدود ومنع التهريب. 

وهنا تكمن الإهانة السياسية الكبرى بالنسبة لحزب الله،فالرجل الذي قاتله الحزب وحرّض عليه واعتبره (إرهابياً تكفيرياً)بات اليوم رئيساً لسوريا الجديدة، بينما الحزب نفسه يُعامل عربياً ودولياً باعتباره عبئاً أمنياً وعسكرياً على لبنان والمنطقة. يا لها من مفارقة قاسية(الذين دخلوا دمشق بالدبابات دفاعاً عن بشار الأسد، يشاهدون اليوم دمشق نفسها تفتح أبوابها لرئيس حكومة لبناني يريد ضبط حدودها في وجههم.

لكن أهمية زيارة نواف سلام لا تكمن فقط في اللقاء نفسه، بل في كل الأسئلة الثقيلة التي يفتحها هذا اللقاء أمام حزب الله تحديداً.

هل ذهب سلام فقط لتثبيت العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا بعد سقوط الأسد؟ هل هي محاولة لإعادة العلاقة إلى إطار (دولة مع دولة)بعدما صادرها الحزب لسنوات وحوّلها إلى خط إمداد عسكري لمشروعه الإقليمي؟ أم أن الزيارة تحمل ما هو أخطر بكثير؟

هنا تبدأ الفرضيات التي ترعب الحزب.

هل ذهب نواف سلام ليقول لأحمد الشرع إن زمن استخدام سوريا ممراً مفتوحاً لسلاح حزب الله انتهى؟

هل جاء ليؤسس لتعاون أمني واسع يمنع تهريب السلاح والمسلحين عبر الحدود؟

السؤال الأكثر قسوة يبقى ذاك الذي يشبه انتقاماً ساخراً من التاريخ نفسه(هل يمكن أن يصبح أحمد الشرع بالنسبة للدولة اللبنانية، ما كان عليه السيد حسن نصرالله بالنسبة لبشار الأسد؟

هل تحمل الزيارة رسالة مباشرة بأن الدولة اللبنانية لم تعد تقبل بوجود قوة عسكرية تتجاوزها وتجرّ البلد إلى الحروب؟

أم أن المشهد أبعد من ذلك كله؟السؤال الأكثر قسوة يبقى ذاك الذي يشبه انتقاماً ساخراً من التاريخ نفسه(هل يمكن أن يصبح أحمد الشرع بالنسبة للدولة اللبنانية، ما كان عليه السيد حسن نصرالله بالنسبة لبشار الأسد؟

بشار الأسد استدعى حزب الله بحجة (محاربة الإرهاب)فدخل الحزب إلى سوريا بالنار والحديد والميليشيات، واعتبر أن سحق المدن السورية جزء من معركة (المقاومة)،أما اليوم، فالمفارقة القاتلة أن بعض اللبنانيين باتوا يتساءلون بالعكس تماما(هل يذهب نواف سلام إلى دمشق للاستعانة بسوريا الجديدة في مواجهة نفوذ حزب الله نفسه، بعدما بات الحزب عند شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب والعالم تنظيماً خارج الدولة ومصدراً دائماً للفوضى والحروب؟

قد لا يكون الأمر مطروحا عسكريا بشكل مباشر، لكن مجرد ولادة هذا السؤال في الحياة السياسية اللبنانية يكفي لفهم حجم الزلزال الذي أصاب الحزب بعد سقوط الأسد.

قبل سنوات، كان مجرد التفكير بضعف الحزب نوعاً من الخيال السياسي.

أما اليوم فالحديث لم يعد عن قوته، بل عن كيفية احتواء نفوذه، وضبط حدوده، وتجفيف ممراته، ومنع لبنان من الانتحار معه في كل مواجهة إقليمية.

والأخطر بالنسبة للحزب أن سوريا الجديدة نفسها لم تعد تنظر إليه كحليف، بل كخطر أمني محتمل داخل أراضيها(فالتقارير الأمنية السورية خلال الأسابيع الأخيرة تحدثت عن تفكيك خلايا مرتبطة بحزب الله كانت تخطط لتنفيذ أعمال تخريبية داخل دمشق واستهداف شخصيات دينية وزعزعة الاستقرار.

وزارة الداخلية السورية أعلنت بالفعل توقيف عناصر قالت إنهم مرتبطون بالحزب ضمن (مخطط إرهابي)يستهدف أمن البلاد ورموزها. 

وهنا تبلغ السخرية ذروتها.

الحزب الذي ادّعى أنه دخل سوريا لحمايتها من الإرهاب، بات يُتهم اليوم داخل سوريا نفسها بمحاولات تخريب وزرع عبوات وخلق فوضى أمنية،كأن المشروع الذي عاش سنوات على شعار (حماية دمشق)انتهى به الأمر متهماً بتهديد دمشق نفسها.

والأسوأ أن هذا يحدث في لحظة تحاول فيها سوريا الجديدة الخروج من منطق المحاور والميليشيات والعودة إلى منطق الدولة والسيادة.

أما الرسالة الثالثة، وهي الأعمق، فهي أن البيئة السنّية في المنطقة لم تعد يتيمة كما أراد لها محور الممانعة أن تكون.

طوال سنوات، بُنيت معادلة كاملة على فكرة أن السنّة في لبنان وسوريا والعراق مجرد جماعات مسحوقة يجب أن تتأقلم مع ميزان قوة فرضته إيران بالنار والميليشيات.

لكن سقوط الأسد قلب المعادلة النفسية قبل السياسية. فجأة، لم يعد حزب الله يبدو ذلك الوحش الذي لا يُهزم، بل تنظيماً محاصراً(إسرائيل تستنزفه جنوب(وخيرةشباب لبنان يتم التضحية بهم على الحدود تحت شعارات استنزفت الطائفة الشيعية واتخذ شبابها شماعة لخدمة ايران)،الداخل اللبناني يضيق به ذرعاً، سوريا الجديدة لا تثق به، والعالم العربي يعتبره امتداداً لمشروع دمّر أربع عواصم عربية تحت شعار (المقاومة).

المضحك المبكي أن الحزب الذي أمضى سنوات يردّد أن (الطريق إلى القدس تمرّ في القصير والزبداني وحلب)اكتشف أخيراً أن الطريق انتهت به إلى عزلة خانقة داخل لبنان نفسه. حتى شعارات (الإسناد)تحولت إلى كابوس على اللبنانيين الذين شاهدوا بلدهم يُجرّ مرة جديدة إلى الدمار من أجل حسابات لا تشبههم.

الأخطر بالنسبة للحزب أن سوريا الجديدة نفسها لم تعد تنظر إليه كحليف، بل كخطر أمني محتمل داخل أراضيها(فالتقارير الأمنية السورية خلال الأسابيع الأخيرة تحدثت عن تفكيك خلايا مرتبطة بحزب الله كانت تخطط لتنفيذ أعمال تخريبية داخل دمشق واستهداف شخصيات دينية وزعزعة الاستقرار.

والأسوأ أن الحزب الذي رفع شعار (حماية الأقليات)و(حماية المشرق)صار متهما بمحاولة استهداف شخصيات دينية داخل سوريا نفسها. 

هل يعني ذلك أن الدولة اللبنانية ذاهبة إلى مواجهة عسكرية مع حزب الله؟ على الأرجح لا.

لا أحد يريد حربا أهلية جديدة، ولا أحد يملك ترف الانفجار الداخلي،لكن ما يحدث أخطر على الحزب من الحرب المباشرة(تفكيك بطيء لمصادر قوته السياسية واللوجستية والنفسية. حين تُضبط الحدود، وتُقفل الممرات، وتتحول سوريا من حليف عضوي إلى دولة تعتبر خلاياه تهديدا أمنياً، يصبح الحزب أشبه بمقاتل ضخم يكتشف أن الأرض التي يقف عليها بدأت تنهار تحت قدميه.

لهذا تبدو زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق لحظة رمزية أكثر مما هي مجرد اجتماع سياسي.

إنها لحظة إعلان غير رسمي أن زمن الوصاية المسلحة يقترب من نهايته، وأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها الدول لا الميليشيات، والمؤسسات لا الشعارات، والسيادة لا فائض القوة وربما أكثر ما يوجع حزب الله في كل هذا، ليس خسارة معركة عسكرية هنا أو هناك، بل خسارة الرواية نفسها،الرواية التي أقنعت جمهوره طويلاً أنه المنتصر الدائم، قبل أن يكتشف الجميع أن من يربح بالحرب إلى الأبد… لا يحتاج كل هذا الخوف من السلام.

د. ص

السابق
بالصور: الرئيس سلام يصل العاصمة السورية دمشق في ثاني زيارة رسمية له
التالي
ما هي عقدة التفاوض الاسرائيلي – اللبناني؟!