ليست المشكلة أن إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واضحًا، بل المشكلة الحقيقية أن لبنان، في لحظة الانتقال من الحرب إلى التفاوض، لا يمتلك ما هو أبسط من ذلك بكثير: قرارًا واحدًا يتكلم باسمه.
طاولة واشنطن: تفاوض غير متكافئ
في واشنطن، يُفترض أن تجلس دولتان على طاولة واحدة، لكن الواقع أكثر قسوة ووضوحًا: دولة تقرر، ودولة تُسأل إن كانت قادرة أصلًا على الالتزام؛ طرف يفاوض، وطرف يُختبر؛ كيان يطرح شروطه، وآخر يُعاد تعريفه ضمن الشروط نفسها.
تفوق إسرائيلي أم منظومة قرار؟
ما كشفته الحرب في الجنوب لم يكن فقط حجم التفوق الإسرائيلي، بل طبيعة هذا التفوق، إذ لم تعد المسألة تتعلق بطائرات مسيّرة أو دقة إصابة، بل بمنظومة قرار متكاملة قادرة على تحويل المعلومة إلى ضربة، والضربة إلى رسالة سياسية، والرسالة إلى شرط تفاوضي، في سلسلة متصلة لا تنفصل فيها التكنولوجيا عن السياسة، ولا الميدان عن الطاولة.
الفراغ السيادي في لبنان
في المقابل، لم يكشف لبنان ضعفًا عسكريًا بقدر ما كشف فراغًا سياديًا، حيث تتعدد مراكز القرار، وتتوزع الأدوار خارج إطار الدولة، وتُخاض الحرب ضمن حسابات لا تُصاغ في بيروت، بل تُستورد إليها، ما يجعل أي مواجهة، مهما كانت طبيعتها، انعكاسًا لصراع أكبر لا يملك لبنان التحكم به.
ما كشفته الحرب في الجنوب لم يكن فقط حجم التفوق الإسرائيلي، بل طبيعة هذا التفوق، إذ لم تعد المسألة تتعلق بطائرات مسيّرة أو دقة إصابة، بل بمنظومة قرار متكاملة قادرة على تحويل المعلومة إلى ضربة،
الجغرافيا كأداة تفاوض
لكن الأخطر من ذلك كله ليس ما جرى في السماء، بل ما جرى على الأرض، حيث تحوّلت مناطق بكاملها إلى مساحات مدمّرة، من الخط صفر إلى بلدات شمال الليطاني، مرورًا بقضاء النبطية وقضاء صور، في مشهد لا يمكن تفسيره فقط كأثر جانبي للحرب، بل كجزء من عملية إعادة تشكيل ميداني ممنهجة، تضع الجغرافيا نفسها في قلب التفاوض، لا كخلفية له.
هذا التدمير ليس تفصيلًا، بل هو اللغة الفعلية التي تُكتب بها شروط المرحلة المقبلة، حيث لا تُرسم خطوط التماس فقط، بل تُعاد صياغة قابلية الأرض للحياة، ويُطرح الجنوب، بكل بساطة، كسؤال: هل يبقى مساحة سكن واستقرار، أم يتحول إلى منطقة ضغط دائمة تُستخدم كلما دعت الحاجة؟
حزب الله والمفاوضات: اعتراض يتجاوز السياسة
وفي لحظة كهذه، يصبح الاعتراض على المفاوضات من قبل حزب الله أكثر من مجرد موقف سياسي، لأنه يعكس حقيقة جوهرية: هذه المفاوضات لا تستبعد الحرس الثوري الإيراني عن الطاولة، بل تعيد تعريف من هو الطرف، وما هو الموضوع، من يفاوض، ومن يُفاوض عليه.
وهنا تكمن العقدة.
الأخطر من ذلك كله ليس ما جرى في السماء، بل ما جرى على الأرض، حيث تحوّلت مناطق بكاملها إلى مساحات مدمّرة، من الخط صفر إلى بلدات شمال الليطاني،
الدولة اللبنانية بين الالتزام والعجز
لأن ما يجري في واشنطن ليس مجرد محاولة لوقف الحرب، بل محاولة لإعادة ترتيب المشهد بالكامل، حيث يُطلب من الدولة اللبنانية أن تفاوض باسم كيان لا تملك السيطرة الكاملة عليه، وأن تلتزم بنتائج قد لا تملك أدوات تنفيذها، وأن تتحمل تبعات مسار لم تكن صاحبة قراره أصلًا.
السؤال الحقيقي: من يملك القرار؟
السؤال لم يعد: هل تنجح المفاوضات؟
السؤال: من يملك حق النجاح أو الفشل فيها؟
إسرائيل تدخل التفاوض بما حققته في الميدان، وبلغة قوة واضحة، بينما يدخل لبنان محمّلًا بتناقضاته، بدمار جنوبه، وبسؤال مفتوح حول من يمسك بقراره، وما إذا كان قادرًا أصلًا على التحول من ساحة إلى دولة.
اختبار الكيان اللبناني
لا يمكن لأي اتفاق أن يكون مستقرًا إذا لم يكن الطرف الموقّع عليه قادرًا على تنفيذه، ولا يمكن لأي توازن أن يُبنى إذا كان القرار موزعًا بين أكثر من مرجعية، ولا يمكن لأي سيادة أن تُستعاد إذا بقيت موضوعًا للنقاش لا أساسًا له.
في النهاية، لا تختبر هذه المفاوضات حدود القوة العسكرية فقط، بل تختبر حقيقة الكيان اللبناني نفسه:
هل يذهب لبنان إلى واشنطن ليفاوض… أم ليُعاد تعريفه؟

