لم يعد توصيف لبنان كساحة صراع إقليمي مجرّد توصيف إعلامي أو سياسي عابر، بل بات يعكس في الجوهر، بنية عميقة تحكم تكوين السلطة وآليات اشتغالها، وتمتد عميقا في بنية الاجتماع السياسي اللبناني. فلبنان، في واقعه الراهن، لا يُدار كدولة، للقانون والمؤسسات مكتملة السيادة، بل كساحة تتنازعها قوى طائفية تستقوي بالخارج، وتعيد إنتاج نفوذها عبر توازنات هشّة، لا تحتكم للدستور، ولا تلتزم سيادة القانون، فتجعل من المؤسسات مجرد واجهات شكلية لسلطات فعلية قائمة من خارجها.
في “لبنان الساحة”، القوى السياسية الفاعلة هي في جوهرها قوى طائفية – زبائنية – شبه ميليشياوية
إن أحد أبرز الأخطاء في مقاربة الأزمة اللبنانية يتمثل في التركيز على القرارات الحكومية وخيارات السلطة التنفيذية، وكأن المشكلة تكمن فقط في سوء الاختيار أو غياب الإرادة السياسية. لعل ذلك كان صحيحا قبل ولادة العهد الجديد، وتشكيل حكومة القاضي نواف سلام، لكنه تبين ان الواقع أكثر تعقيداً: فالأزمة بنيوية، تتعلق بطبيعة القوى الاجتماعيةوالسياسية الفاعلة نفسها، وبالأدوات التي تستخدمها للسيطرة والنفوذ.
في “لبنان الساحة”، القوى السياسية الفاعلة هي في جوهرها قوى طائفية – زبائنية – شبه ميليشياوية، تستمد شرعيتها من اربعة مصادر أساسية:
أولاً، العصبية الطائفية والاستثمار في الكراهيات المتبادلة التي تؤمن لها قاعدة اجتماعية سياسية مغلقة.
ثانياً، بنية ادارية وامنية وعسكرية وقضائية داخل بنيان السلطة الشرعية شكلا، لكنها سلطة نافذة موازية للسلطة الشرعية، لا تاتمر بأمرها، بل بأمر مرجعياتها الحزبية، وتخرج بسلوكياتها المرسخة عن تعليمات رؤسائها.
ثالثا، الارتباط بمحاور خارجية نمدّها بالمال والسلاح والحماية السياسية. رابعاً، شبكات المصالح والخدمات الزبائنية التي تسيطر من خلالها على مفاصل المجتمع والاقتصاد، وتتحكم من خلالها بالقدرة على إخضاع الأتباع وفرض الولاء السياسي عليهم.
هذه القوى لا تعمل وفق منطق الدولة والقانون والعدالة، بل وفق منطق “تقاسم النفوذ” والمحاصصة لتوزيع مغانم السلطة وخدماتها ومواقع المسؤولية فيها. وهي لا ترى في المؤسسات أدوات حكم، بل أدوات استخدام، تُفرغ من مضمونها لصالح مراكز قوة موازية. لذلك، تصبح الحكومة ساحة تفاوض ومنصة كِبَاش، والبرلمان ساحة تسويات ومسرحاً للدمى والاستعراضات، والقضاء ساحة تعطيل او دفن ارتكابات، بدل أن تكون هذه المؤسسات أدوات سيادة، وعدالة وادارة شأن عام وتنظيم برامج ومبادرات وانجازات.
هذه القوى لا تعمل وفق منطق الدولة والقانون والعدالة، بل وفق منطق “تقاسم النفوذ”
في المقابل، “لبنان الدولة” يفترض وجود نوع مختلف كلياً من القوى السياسية الفاعلة: قوى وطنية مدنية تحمل رؤى لتنمية موارد البلاد وبرامج لتطوير الخدمات والمرافق العامة وانماء قطاعات الإنتاج مترسخة الجذور في المجتمع، طبيعتها مؤسساتية، تستمد شرعيتها من التمثيل الشعبي العابر للطوائف، وتعمل ضمن قواعد دستورية واضحة، وتحتكر الدولة من خلالها أدوات السلطة الشرعية ووظائفها.
وهنا يكمن التناقض الجوهري: لا يمكن الانتقال من “لبنان الساحة” إلى “لبنان الدولة” دون تغيير عميق في موازين القوى السياسية ودون تفكيك وإعادة بناء امتداداتها من الأدوات في اجهزة السلطة.
فأدوات السلطة في “لبنان الساحة” تقوم على:
· التعطيل كوسيلة تفاوض (الفراغ، الشغور، شلّ المؤسسات)
· القوة الموازية (السلاح خارج إطار الدولة)
· الاقتصاد الريعي والزبائني والاقتصاد الاسود الموازي
· الولاءات الخارجية
· التحكم بالقضاء والإدارة عبر النفوذ
بينما أدوات السلطة في “لبنان الدولة” يجب أن تقوم على:
· احتكار الدولة للعنف الشرعي
· استقلال القضاء
· إدارة عامة محايدة وكفوءة
· اقتصاد منتج وشفاف
· قرار سياسي سيادي مستقل
هذا الاختلاف ليس تفصيلاً، بل هو اختلاف جذري في طبيعة السلطة نفسها. لذلك، فإن أي حديث عن “إصلاح” يقتصر على تغيير السياسات أو تبديل الحكومات أو تعديل بعض القرارات، يبقى سطحياً وعاجزاً عن إحداث تحول حقيقي.
المأزق اللبناني هو مأزق انتقال بين نموذجين متناقضين
إن المأزق اللبناني هو مأزق انتقال بين نموذجين متناقضين: نموذج “الساحة” الذي يقتات على الضعف والتبعية والانقسام، ونموذج “الدولة” الذي يفترض السيادة والمؤسسات والاحتكار الشرعي للعنف من قبل السلطة. ولا يمكن إنجاز هذا الانتقال دون إصلاح عميق في هياكل السلطة نفسها، وتطهيرها من محاسيب ” الدويلة النافذة الموازية ويشمل ذلك:
· إعادة بناء النظام السياسي على أساس المواطنة لا الطائفة
· تفكيك منظومة الزبائنية التي تربط المجتمع بالزعامات الحزبية
· إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع بما يعيد الثقة بالمؤسسات
· تحرير القرار السياسي من الارتهان الخارجي
· الأهم، تغيير أدوات السلطة ذاتها، لا الاكتفاء بتبديل من يمسك بها ، فالسلطة في لبنان ليست فقط من يقرر، بل كيف يُمارس القرار وينفذ، وبأي أدوات، ولصالح من!؟.
من هنا، فإن أي مشروع جدي للإنقاذ لا يمكن أن ينطلق من داخل منطق “ لبنان الساحة”، لأن هذا المنطق يعيد إنتاج نفسه مهما تغيّرت الوجوه. بل يجب أن يؤسس لقطيعة تدريجية مع هذا النموذج، عبر بناء توازنات جديدة داخل المجتمع، تفرز قوى سياسية مختلفة في طبيعتها ووظيفتها.
الخلاصة أن أزمة لبنان ليست أزمة قرار، بل أزمة سلطة؛ وليست أزمة خيارات، بل أزمة أدوات. والانتقال إلى “لبنان الدولة” ليس مسألة إرادة سياسية فقط، بل مسار طويل من إعادة التأسيس البنيوي، حيث تتغير طبيعة القوى الفاعلة، وتُستبدل أدوات الهيمنة بأدوات الحكم الرشيد.
بدون ذلك، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة: دولة في الشكل، وساحة في الجوهر.

