ضناً بالوطن.. وقف الحرب اليوم قبل الغد!

السفير هشام حمدان

ربّما نحن بحاجة لتبديل أسلوب نقدنا لإنفراد ما يسمّى “مقاومة”، بقرار السّلم والحرب، والإمساك بالسّلاح خارج الشّرعيّة. ففي حين علينا الإستمرار بالتّأكيد على رفضنا لهذا الواقع، وإصرارنا على ضرورة إستعادة الدّولة لدورها الحصريّ في مثل هذه الشّؤون، وكذلك رفضنا للحرب الجارية في الجنوب، والتزامنا القانون الدّوليّ، والقرارات الدّوليّة، إلّا أنّ علينا التّركيز بشكل أكبر، على التّحرّك كما تفعل باقي الشّعوب، لوقف آلة القتل، والدّمار، في غزّة وجنوب لبنان. نعم، علينا أن نوجّه قسما أكبر من مواقفنا، لدعم حقوق الشّعب الفلسطينيّ، وفضح ممارسات المتطرّفين، والتّنديد بالمجازر التي يقوم بها السّفّاح بنيامين نتنياهو، وفريقه من اليمين الإسرائيليّ المتطرّف.

نؤكّد عميق احترامنا لدماء الذين قتلوا من أهلنا في الجنوب على مذبح هذه الحرب الجارية منذ ٨ تشرين الثّاني الماضي

نؤكّد عميق احترامنا، لدماء الذين قتلوا من أهلنا في الجنوب على مذبح هذه الحرب الجارية، منذ ٨ تشرين الثّاني الماضي. ننحي أمام ذكراهم، ونعتزّ بموقفهم الأخلاقيّ بالنّسبة لما يجري في غزّة. هم ضحايا شعارات مزروعة في ضميرنا الوطنيّ، والقوميّ منذ ولادتنا. قاتلوا، وقُتلوا دفاعا عن فلسطين، فأكّدوا ما يختزنه المواطن اللّبنانيّ من إلتزام حتّى الموت بقضاياه الأخلاقيّة، والحقوقيّة. هم وهج سيبقى مضيئا في ذاكرة شعبنا العربيّ، مهما كانت إنتقاداته لقياداتهم.

لقد كتبنا، وشرحنا موقفنا إزاء الموقف السّياسيّ لقادة “المقاومة” بتوريط لبنان، وأهلنا في الجنوب بمفردهم، بهذه الحرب. فنحن نشعر في أعماقنا، أنّهم خسارة كبيرة للوطن، لاسيّما يوم قد يحتاج إليهم في محنة يمكن أن تحلّ به.

إيران التي دفعت بأهلنا إلى آتون هذه الحرب لا تهتمّ بما قد تحمله إلى لبنان من دمار وخراب إذ لديها أغراضها

يجب أن تقف هذه الحرب. نفهم أنّ قادة ما يسمّى “مقاومة”، ربطوا وقف الحرب في جنوب لبنان، بوقف الحرب في غزّة. لسنا واثقين من ذلك. فلا إسرائيل تريد ذلك، ولا القوى الغربيّة، ولا إيران. إيران، التي دفعت بأهلنا إلى آتون هذه الحرب، لا تهتمّ بما قد تحمله إلى لبنان من دمار، وخراب، إذ لديها أغراضها، ولن تتوقّف عن الدّفع بالحرب، حتّى يتمّ تحقيق تلك الأغراض. ستستغلّ هذه القوى هذه الأحداث لفرض حالة سياسيّة جديدة في الجنوب. وعندما تنتهي حرب غزّة، سيكون أهلنا في الجنوب بمفردهم في مواجهة كلّ آلة الحرب الإسرائيليّة، وسيكون الغرب بكامله معها. لا نهاية لهذه الحرب من دون ضمانات، بأنّها ستكون الأخيرة، التي يمكن أن تشنّها ما تسمّى “مقاومة” ضدّ إسرائيل.

ربّما أنّ القبول بوقف الحرب الآن قبل الغد سيكون أقلّ ضررا على أهلنا ووطننا.

وعليه، فإنّ التّورية على مجريات هذه الحرب، من خلال ربطها بما يحدث في غزّة، قد يخدع البعض، لكن لا يخدع الجميع. ربّما أنّ القبول بوقف الحرب الآن قبل الغد، سيكون أقلّ ضررا على أهلنا ووطننا.

لطالما طالبنا القيادات الرّوحيّة، والزّمنيّة السّياديّة إتّخاذ إجراءات عمليّة، وعدم الإكتفاء بالكلام، في مواجهة هذه الحالة. ندعو غبطة البطريرك، والقيادات الدّينيّة كافّة الى تحريك الشّارع اللّبنانيّ، من أجل وقفة مشتركة أمام مبنى الأمم المتّحدة في بيروت، تضمّ عشرات الألوف من كلّ مناطق، وأطياف لبنان، للمطالبة بوقف الحرب في غزّة، ولبنان. المطالبة بوقف الحرب في غزّة إضافة إلى لبنان، يسقط أيّة شكوك في “براءة” المطلب بوقف الحرب في الجنوب. والمطالبة بتطبيق القرارات الدّوليّة بشأن فلسطين، يدعم المطالبة بتنفيذ القرارات الدّوليّة حول الجنوب.

إنّ ما يجري في غزّة، وفي جنوب لبنان مترابط، ولا يجب فصلهما عن بعض، لا سيّما وأنّ الحرب في الجنوب، صارت أمرا واقعا. في الواقع، الخارج بكلّ مكوّناته، يعتبر أنّ الحرب في الجنوب جزء من حالة الصّراع الدّائر في فلسطين. هذه الحرب، هي واحدة من الحروب العديدة التي عانى منها لبنان، في إطار الصّراع العربي الإسلامي مع إسرائيل. لبنان، هو السّاحة التي من خلالها وصل الشرق الأوسط إلى ما هو عليه الآن. وعليه، فإنّ الخارج، لن يعيد لبنان إلى طبيعته، قبل تسوية الصّراع مع إسرائيل. تحوّل هذا الصّراع إلى آخر المعوقات التي تقف أمام الغرب، لوضع يده على الشّرق الأوسط.

إيران تعلم ذلك. والعرب يعلمون ذلك. وعليه، يجب تطوير الموقف الوطنيّ للسّياديّين، كيّ يربط مطالبه السّياديّة بموقفٍ، يستند إلى الشّرعيّة الدّوليّة، وتحديدا إلى القرارين 242 (1967)، و338 (1973)، أيّ الأرض مقابل السّلام، وهذا ما قرّرته القمّة العربيّة في بيروت عام 2002 .

إذا لم نفكّر ولم نقرّر ما نريده لأنفسنا من أجل الغد سيرسم آخرون مستقبلنا

نحن نتمنّى توجيه كتاب مشترك من قياداتنا الرّوحيّة إلى سفارة أميركا، وسفارات الدّول العظمى، للمطالبة بوقف آلة الحرب، والدّعوة إلى تنفيذ قرار القمّة العربيّة في بيروت عام ٢٠٠٢، والتّاّكيد على التّمسّك بالقرارات الدولية بشأن لبنان، بدءا بمعاهدة الهدنة لعام 1949.

ربّما علينا الآن أن نفكّر بالغدّ. ماذا سيحصل بعد أن تنتهي هذه الحرب؟ التّحرّر من الأمس، يبداً بالنّضال من أجل الغد. نعرف ما حمله الأمس لنا من مآس، ولكن، لا نعرف ما سيحمله لنا الغد. ما نعلمه هو أنّه، إذا لم نفكّر، ولم نقرّر ما نريده لأنفسنا من أجل الغد، سيرسم آخرون مستقبلنا. فهل هذا ما نريده لأنفسنا.

السابق
بالفيديو: «مافيات» تعتدي على باصات النقل العام.. تكسير وضرب وشتم و«الداخلية» تتدخل!
التالي
فاجعة في روسيا.. تحطم طائرة ومقتل طاقمها!