الانتخابات الإيرانية.. صراعات و«عصابات» ومقاطعات تُضعف النظام!

أظهرت الانتخابات الأخيرة في إيران، تغيرا غير مسبوق في سلوك النظام الإيراني، وهو ما يسلط الضوء على ضعف النظام الحاكم وعدم استقراره. المقاطعة الشعبية واسعة النطاق، ووفاة إبراهيم رئيسي، واختيار مسعود بزشكيان رئيساً جديداً، والأزمات الإقليمية، هي المحاور الأساسية لفهم المشهد الحالي لإيران وتأثيراته الإقليمية.


مقتل إبراهیم رئیسي ومقاطعة واسعة النطاق للانتخابات
تمت مقاطعة الانتخابات الأخيرة على نطاق واسع من قبل الشعب، حتى أن التقارير الإعلامية الدولية والفارسية أكدت أن هذه كانت أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
كما اضطر المرشد علي خامنئي إلى الاعتراف بهذه المقاطعة واسعة النطاق، بشكل اعتبرها إلزامية وضرورية لبقاء واستمرار نظامه، من خلال التوسل إلى الشعب بالمشاركة في الانتخابات والتصويت، إلا أن مناشدات خامنئي وطلباته لم تكن ذات جدوى، كما أن المقاطعة الواسعة للانتخابات، بالإضافة إلى إظهار الاستياء العميق لدى الشعب من النظام، تسببت في اختلال توازن النظام وخلق فصل جديد في حكم ولاية الفقيه.
ووجهت مقتل إبراهيم رئيسي، الذي كان أحد الركائز الأساسية لخط خامنئي للانكماش والتطهير من أجل البقاء، ضربة قوية لقمة هرم السلطة وجسد النظام المتهالك.
ولم تؤد هذه القضية إلى إضعاف النظام فحسب، بل خلقت أيضًا مساحة جديدة للنضال والمقاومة والاحتجاج ضد النظام، بحيث أن عدم وجود رئيسي لم يخل بتوازن القوى داخل الحكومة فحسب، بل أعطى مجاهدي خلق وقوى المقاومة المزيد من الفرص لتوسيع أنشطتهم.

الوضع الحالي للنظام يختلف كثيراً عن السنوات السابقة ولا يمكن مقارنته بالماضي واستخلاص النتائج منه

اختيار بزشكيان

أثار اختيار بزشكيان كرئيس في وضع تم فيه استبعاده من قبل مجلس صيانة الدستور في الترشح الرئاسي السابق العديد من الأسئلة. ويرى البعض أن هذا الاختيار كان أيضاً هندسة خامنئي، في حين أن أغلبهم يعتقدون أن ضعف موقف خامنئي، وعدم قدرته على المضي قدماً في خطه أدى إلى هذا الاختيار، وهو مؤشر على ضعف خامنئي الاستراتيجي بسبب تزايد الأزمات والضغوط الداخلية والخارجية.
الوضع الحالي للنظام يختلف كثيراً عن السنوات السابقة، ولا يمكن مقارنته بالماضي واستخلاص النتائج منه.
لقد تجاوز المجتمع الإيراني طيف ما يسمى بالإصلاحيين، وأظهرت المقاطعة الواسعة النطاق للانتخابات أن قاعدتهم الاجتماعية قد ضعفت بشدة.
وفي الوقت عينه، فإن الأزمات الإقليمية، بما في ذلك صراعات النظام المباشرة وغير المباشرة في الحروب الإقليمية، جعلت الوضع أكثر تعقيداً بالنسبة للنظام.

الحروب الإقليمية وآثارها

لقد لعبت الحروب الإقليمية، وخاصة أزمة غزة والحرب الأوكرانية، دوراً مهماً في إضعاف موقف النظام الدولي.
وأدى تورط إيران المباشر وغير المباشر في هذه الحروب إلى زيادة الضغوط الدولية على النظام. وعلى وجه الخصوص، أثار دور الحرس الثوري في هذه الحروب والدعم المالي والسلاحي لمجموعات الميليشيات مخاوف جدية على المستوى الدولي.
ولم تؤد هذه القضايا إلى مزيد من عزلة النظام فحسب، بل دفعت أيضا الدول الغربية والإقليمية إلى البحث عن حلول للتعامل مع النفوذ الإيراني. ومن هذه الإجراءات إدراج الحرس الثوري في قائمة الإرهاب.

اضطراب وصراع عصابات النظام الداخلية

وأدت الصراعات بين مختلف فصائل ما يسمى ب” العصابة الأصولية” إلى تأجيج الأزمات. وتشير الخلافات العميقة بين مختلف فصائل النظام إلى الضعف البنيوي وعدم قدرة النظام على إدارة الأزمات الداخلية.
ولم تؤد هذه الحروب إلى مزيد من إضعاف النظام فحسب، بل أظهرت أيضًا عدم التماسك والتضامن داخل النظام، لدرجة اضطر خامنئي إلى تحذير المرشحين الرئاسيين صراحة، من التشهير ببعضهم البعض.
ومن أهم مظاهر الانتخابات الأخيرة، المنافسة الشرسة بين عصابتي محمد باقر قاليباف وسعيد جليلي الأصوليتين. وقد لعبت هذه المنافسة، التي انعكست بوضوح في إعلام النظام، دوراً مهماً في النتائج النهائية للانتخابات.

تشير الخلافات العميقة بين مختلف فصائل النظام إلى الضعف البنيوي وعدم قدرة النظام على إدارة الأزمات الداخلية.


وقاليباف، عمدة طهران السابق ورئيس مجلس الشورى الحالي، هو أحد الشخصيات الرئيسية في العصابة الأصولية. وباعتباره أحد أشد المدافعين عن النظام، فقد حاول دائمًا الحفاظ على موقعه في هيكل السلطة وتوسيع نفوذه.
ومن ناحية أخرى، يُعرف سعيد جليلي، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي وأحد الشخصيات الأخرى في العصابة الأصولية، بأنه المنافس الرئيسي لقاليباف.
ولجليلي مواقف أكثر تطرفا من قاليباف، وحاول كسب تأييد بعض شرائح أنصار النظام، من خلال التأكيد على الحفاظ على مبادئ الثورة الإسلامية ومواجهة أي تلين تجاه الغرب.

تأثير الصراع على الانتخابات ونتيجتها

وكان للصراع والمنافسة الشديدة بين قاليباف وجليلي تأثير مباشر على نتائج الانتخابات.
وتشير العديد من التقارير المنشورة في وسائل إعلام النظام، إلى أن هاتين العصابتين استخدمتا كافة مرافقهما ودعمهما وحاولتا زيادة نفوذهما وقوتهما.
وقد أشارت بعض صحف النظام بوضوح إلى هذا الصراع على السلطة، وأظهرت كيف أن هذه المنافسة جعلت خامنئي غير قادر، على الفوز بمرشحه المفضل دون معارضة قوية.
على سبيل المثال، كتبت صحيفة كيهان المقربة جدًا من خامنئي في أحد مقالاتها: “إن المنافسة الشديدة بين قاليباف وجليلي لم تؤثر على نتائج الانتخابات فحسب، بل أجبرت خامنئي أيضًا على اختيار مسعود بزشكيان لإيجاد توازن بين هاتين العصابتين”
كما حللت صحيفة الشرق في تقرير لها هذه المنافسات وكتبت: “إن الصراعات الداخلية بين العصابات الأصولية، تظهر ضعف النظام وعدم قدرته على إدارة الانتخابات بشكل متكامل”.

تعكس الانتخابات الأخيرة في إيران الوضع المعقد والمتوتر للنظام الإيراني، فالمقاطعة واسعة النطاق، ووفاة الرئيس، والحروب الإقليمية، والصراعات الداخلية بين العصابات الأصولية، كل ذلك يظهر ضعف خامنئي وعدم قدرته على إدارة الأزمات والحفاظ على التماسك الداخلي لنظامه.
وتظهر هذه الظروف أن النظام الإيراني، يمر بأحد أكثر أوضاعه التاريخية حساسية، وأي تغيير أو تطور يمكن أن يكون له تأثير واسع على مستقبله.
وبأخذ كل هذه العلامات بعين الاعتبار، يمكن الإستنتاج أن نظام ولاية الفقيه أصبح في مرحلته الأخيرة، والأوضاع أكثر استعدادا من أي وقت مضى للتغييرات الجذرية وإسقاطه. وسيكون لهذا الوضع تداعيات واسعة ليس على الساحة الداخلية فحسب، بل على المستوى الدولي أيضاً.

السابق
ادرعي يزعم استهداف مبانٍ عسكرية وبنى تحتية للحزب
التالي
أزمة الكهرباء نحو الحلحلة؟